حصريٌّ لـ«الصحوة» – تمتاز محافظة مسندم، الواقعة في أقصى شمال سلطنة عُمان، بتراث إنساني حيّ ظلّ حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية للسكان عبر عقود طويلة. ومن بين أبرز ملامح هذا التراث يبرز فن الندبة، الذي يمثّل إحدى أكثر العلامات قوةً في الذاكرة الشعبية، بما يحمله من رمزيات تتصل بالشجاعة والانتماء وعزّة القبيلة. وعلى الرغم من أن جذوره ضاربة في التاريخ، فإن هذا الفن لا يزال حاضرًا في المناسبات الاجتماعية والعروض التراثية، ليشكّل رابطًا بين الماضي والحاضر.
■ من صيحة حرب إلى طقس اجتماعي
عرفت الندبة في بداياتها كصيحة تحذير تستخدمها القبائل في المناطق الجبلية بمسندم، لا سيما قبائل الشحوح والظهوريين والحبوس وبني شميلي. كانت الندبة آنذاك نداءً جماعيًا يُطلق عند استشعار خطر أو قبل اندلاع مواجهة، فتدوّي أصوات الرجال في الجبال لتنبيه أفراد القبيلة وتحفيزهم على الاستعداد. ومع تحولات الحياة في المنطقة، انتقلت الندبة من سياقها الدفاعي لتصبح عنصرًا احتفاليًا يُؤدّى في الأفراح والأعياد وحفلات الاستقبال، مع حفاظها على قوتها وهيبتها القديمة.
■ طقس أداء يعتمد على الصوت والحركة
يؤدَّى هذا الفن دون أي آلة موسيقية، معتمدًا كليًا على طاقة الصوت وقوة الحضور. يبدأ المشهد بوقوف شخص يُعرف بـ«النديب» في وسط دائرة من الرجال، بينما تتخذ المجموعة المحيطة به -وتُعرف بـ«الكبكوب»- مواقعها استعدادًا للترديد. يرفع النديب ذراعه اليمنى بمحاذاة الجبهة، ثم يطلق صيحته، بصوت قوي متصاعد يشقّ الفضاء، قبل أن تتعالى خلفه أصوات الرجال بردّة جماعية متناغمة.
ويتسم الأداء بالإيقاع الداخلي: شدّة الصوت، وتواتر الأنفاس، وحركة الذراع. ويستخدم البعض «العصا» أو «الجرز» كجزء من الزي التقليدي، في استعادة رمزية لأدوارها القديمة في حياة الجبل.
■ حضور متجدد في المناسبات والمهرجانات
لا تزال الندبة حاضرة بقوة في المناسبات الاجتماعية، وفي الأعراس التي تجمع الأهالي من مختلف القرى، إذ يشارك الشباب إلى جانب الكبار في أدائها. كما تؤدَّى في حفلات الاستقبال الخاصة بالضيوف، وفي الاحتفالات الرسمية والمهرجانات التراثية، لتقديم مشهد يعكس روح المنطقة وعراقتها. وفي زيارات رسمية لشخصيات مرموقة إلى مسندم، كان هذا الفن حاضراً ضمن الفنون التي تعبّر عن ترحيب أهل الجبل بزوارهم.
وتكتسب الندبة بُعدًا خاصًا في مسندم، حيث تتردد الأصوات بين الجبال وتتشابك مع طبيعة المكان الوعرة. وفي كثير من الأحيان، يصف الأهالي هذا المشهد بأنه “صوت الجبل”، لما يحمله من دويّ يتناغم مع التضاريس ويمنح الأداء ألقًا فريدًا لا يشبه أي فن آخر في سلطنة عُمان.




























