حصريٌّ لـ«الصحوة» – في مشهد استثنائي يعيد تسليط الضوء على واحدة من أهم الظواهر البيئية في شمال سلطنة عُمان، يكتظ شاطئ بصة في محافظة مسندم بآلاف طيور «الغاق السقطري»، المعروفة محليًا باسم «اللوهة»، وهي تستريح على الصخور والرمال قبل مواصلة رحلتها الموسمية نحو المناطق الجنوبية. هذا التجمّع الهائل –الذي بات يتكرر سنويًا– لم يعد مجرد لوحة طبيعية جذابة، بل تحوّل إلى مؤشر علمي مهم يؤكد المكانة البيئية لمحافظة مسندم كإحدى أهم محطات الطيور البحرية في بحر عُمان والخليج العربي.
■ طائر غامض.. قليل الكلام كثير الحضور
طيور الغاق السقطري (Phalacrocorax nigrogularis) من الطيور البحرية النادرة عالميًا، والمصنفة ضمن القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لصون الطبيعة «مهدَّدة» (Vulnerable). يمتاز هذا الطائر بريشه الداكن وبرقبته الطويلة ومنقاره الدقيق، وبقدرته الفائقة على الغوص في مياه البحر بحثًا عن الأسماك، التي تمثل غذاءه الرئيسي، وعلى رأسها أسماك السردين المنتشرة في سواحل مسندم.
ويعيش الغاق في أسراب ضخمة لا ترتاد اليابسة إلا عند الحاجة، ويُعرف بسلوكه الاجتماعي شديد الترابط، وبكونه من الطيور التي ترتبط حضورًا وصحةً بحالة البحر نفسه؛ إذ يكشف وجوده عن وفرة الأسماك وجودة المياه واستقرار البيئة الساحلية.
■ من الجزر الخليجية إلى رؤوس مسندم
ينتشر الغاق السقطري طبيعيًا في سواحل الخليج العربي، والسواحل اليمنية، وجزر سقطرى، إلا أن محافظة مسندم –بخلجانها العميقة وجروفها الصخرية– تشكل واحدة من أهم محطات استراحته السنوية.
وقد سجّلت التقديرات البيئية الحديثة أعدادًا ضخمة تصل إلى 45 ألف طائر في بعض المواسم، ما يجعل المنطقة نقطة تجمع رئيسية وموئلًا شبه ثابت للغاق خلال شهور الهجرة من مايو حتى سبتمبر.
ويؤكد المختصون أن مسندم تُعد اليوم بمثابة «ممر غذائي» للغاق، نظرًا لتوافر أسراب السردين بكثافة في مياه المحافظة في هذا التوقيت، وهو العامل الذي يدفع الطيور إلى الاستراحة والتغذية قبل استئناف رحلاتها البحرية الطويلة.
ولا يُعد ظهور الغاق في شاطئ «بصة» حدثًا عابرًا، بل جزء من دورة حياتية تتكرر سنويًا؛ إذ تستغل الطيور طبيعة الشريط الساحلي الهادئ والمساحات الصخرية والبحر المفتوح لتجديد طاقتها.
■ دلالات علمية.. ومسؤولية بيئية
وجود هذا الكمّ الاستثنائي من الغاق السقطري في مسندم يضع المحافظة في قلب الجهود الإقليمية لحماية هذا النوع؛ فالدراسات الحديثة تشير إلى وجود مجموعتين سكانيتين للغاق:
• مجموعة الخليج العربي
• مجموعة ساحل عُمان وبحر العرب
وتبين أن المجموعتين بينهما اختلافات جينية واضحة، ما يجعل دور مسندم في حماية «مجموعة بحر عُمان» ضروريًا ولا يمكن تعويضه.
ويهدد هذا الطائر عددٌ من المخاطر، أبرزها التوسع الساحلي غير المنظم، والتلوث البحري، وتراجع مواقع التكاثر في بعض الدول. لذا يمثل استمرار وجوده بكثافة في مسندم شهادة على نجاح بيئتها البحرية في الحفاظ على توازنها الطبيعي.




























