حصريٌّ لـ«الصحوة» – لم يكن الإفتاء في عُمان طارئًا على تاريخها الديني، ولا وليدَ المرحلة الحديثة، بل هو امتدادٌ لمسارٍ بدأ مع دخول الإسلام إلى هذه الأرض الطيبة، وترسّخ عبر القرون بوصفه أحد أعمدة الاستقرار الديني والاجتماعي. فمنذ اللحظة التي وصل فيها الإسلام إلى عُمان، ارتبط حضور الدين بحضور العلم، وبوجود من يعلّم الناس شؤون عباداتهم، ويجيب عن أسئلتهم، ويوجه حياتهم وفق هدي الشريعة.
ودخل الإسلام إلى عُمان في السنة الثامنة للهجرة عبر بعثةٍ نبوية حملت طابعًا دعويًا وتعليميًا في آنٍ واحد. فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى عُمان برسالةٍ إلى جيفر وعبد ابني الجلندى، يدعوهما فيها إلى الإسلام، فكان القبول طوعيًا وسلميًا، ودخلت عُمان في الإسلام دون قتال. غير أن هذه البعثة لم تكن سياسية أو إدارية فحسب، بل كانت بعثة تأسيس ديني، أُريد لها أن ترسّخ أركان العبادة والعلم في المجتمع الجديد.
وفي هذا السياق، تبرز شخصية الصحابي الجليل أبي زيد الأنصاري، الذي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم مع عمرو بن العاص، ليتولى شؤون الصلاة وتعليم الناس القرآن. فبينما كان عمرو بن العاص واليًا على الصدقة والزكاة، كان أبو زيد هو المرجع اليومي للناس في عباداتهم، يعلّمهم الصلاة، ويقرأ عليهم القرآن، ويشرح لهم معانيه. ومن هذه الوظيفة العملية، تشكّلت أول ممارسة للإفتاء في عُمان، بالمعنى الذي يقوم على السؤال والجواب، والتعليم والتوجيه.
وقد أوضح سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي الأمين العام بمكتب الإفتاء، في كلمته خلال الاجتماع السنوي لموظفي المكتب، أن أبا زيد الأنصاري يُعد أول مفتي في عُمان، من حيث الوظيفة والدور، إذ إن من يتولى تعليم الصلاة والقرآن لا بد أن يكون موضع سؤال الناس في شؤون دينهم. وبهذا التحديد، يضع السيابي الإفتاء في عُمان في سياقه الطبيعي: ممارسة علمية بدأت مع التعليم، قبل أن تُعرف بالألقاب والمناصب.
ويمتد هذا الفهم ليكشف أن الإفتاء في عُمان نشأ مرتبطًا بحياة الناس اليومية، لا منفصلًا عنها. فلم يكن المفتي في بداياته صاحب كرسي أو مؤسسة، بل عالمًا حاضرًا بين الناس، يُسأل فيجيب، ويُعلّم فيُهذّب، ويُبيّن فيُصلح. ومع تعاقب الأزمنة، ظل هذا الدور قائمًا عبر العلماء والقضاة، الذين حملوا مسؤولية الفتوى إلى جانب القضاء والتعليم، وأسهموا في حفظ التوازن الديني والاجتماعي للمجتمع العُماني.
ومع قيام الدولة الحديثة في سلطنة عُمان، دخل الإفتاء مرحلة جديدة من التنظيم المؤسسي، دون أن يفقد جذوته العلمية أو رسالته الأساسية. فبرز منصب المفتي العام بوصفه المرجعية العليا للفتوى، وصدر تعيين الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري أول مفتي عام في العصر الحديث، ليشكّل مرحلة انتقالية من الإفتاء الفردي إلى الإفتاء المنظم، المرتبط بهيكل الدولة ومؤسساتها.
ثم جاء تعيين سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي مفتيًا عامًا لسلطنة عُمان عام 1975، ليؤسس لمرحلة ممتدة من الحضور العلمي للإفتاء في المجال العام، عبر الفتاوى المكتوبة، والبرامج الإعلامية، والمشاركات العلمية، والتفاعل المباشر مع قضايا المجتمع وأسئلته المتجددة. وفي هذه المرحلة، لم يعد الإفتاء مقتصرًا على المسائل التقليدية، بل اتسع ليشمل قضايا العصر، والمعاملات المستجدة، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية.
وفي هذا الإطار، تطور مكتب الإفتاء بوصفه مؤسسة علمية وإدارية، تتولى تنظيم عملية الفتوى، واستقبال الأسئلة، وبحثها، وتصنيفها، والإجابة عنها وفق منهج علمي منضبط، يستند إلى أصول الفقه ومقاصد الشريعة، ويأخذ في الاعتبار واقع المجتمع العُماني وخصوصيته.
ومن بعثةٍ نبوية وضعت أساس التعليم والفتوى في عُمان، إلى مؤسسةٍ حديثة تعقد اجتماعاتها السنوية وتراجع أداءها، يمتد خيطٌ واحد يربط الماضي بالحاضر. خيطٌ يؤكد أن الإفتاء في عُمان لم يكن يومًا مجرد إجراء ديني، بل كان ولا يزال عنصرًا أساسيًا في حفظ الدين، وتنظيم شؤون المجتمع، وصيانة توازنه بين النص والواقع.
وهكذا، فإن استحضار تاريخ الإفتاء في عُمان لا يأتي بوصفه استذكارًا للماضي فحسب، بل قراءة لمسارٍ متصل، بدأ بأبي زيد الأنصاري معلّمًا ومفتيًا بالمعنى الوظيفي، وتواصل عبر العلماء والفقهاء، حتى استقر اليوم في مؤسسةٍ راسخة، تؤدي رسالتها في زمن تتسارع فيه الأسئلة وتتجدد فيه القضايا، بينما تبقى الفتوى، في جوهرها، وفية لدورها الأول: البيان، والهداية، وخدمة الناس.




























