الصحوة – علي الحداد
في سياقٍ دولي تتقدّم فيه الانفعالات على الأفكار، وتسبق فيه ردود الأفعال مسارات التعقّل، وتعلو فيه ضوضاء الصدام على صوت الحكمة، يتراجع المنطق بوصفه أداة إدارة، وتضيق مساحات الوساطة لصالح قرارات متسرّعة، عالية الكلفة، محدودة الأفق. وفي خضم هذا المشهد الدولي المرتبك، تبرز الحاجة إلى نماذج دبلوماسية لا تُجاري الصدام، إنما تُحاصره قبل أن يستفحل، ولا تُدير الأزمة عند انفجارها، بل تمنعها قبل أن تبلغ عتبة اللاعودة.
هنا تحديدًا، يتقدّم الإرث الراسخ للنهج العُماني بوصفه استثناءً هادئًا في زمن الاضطراب، نهجًا حافظ على استقلال قراره كما يحافظ الربّان على بوصلته وسط العواصف، لا تُغريه الرياح العابرة ولا تُربكه الضغوط المتغيّرة. فالوساطة العُمانية ليست ممارسة ظرفية، ولا دورًا يُستدعى عند الحاجة ثم يُطوى، بل خيارًا استراتيجيًا متجذّرًا في فلسفة الدولة، يقوم على الاتزان، وبناء الثقة، وإدارة التناقضات بهدوءٍ مؤسسي طويل النفس، يبتغي تحقيق المصالح المشتركة لجميع الأطراف بلا ضرر ولا ضرار وفي خضم نظام دولي تتآكل فيه مساحات الحياد الحقيقي.
ومن هذا الأفق، تكتسب تجربة الدبلوماسية العمانية مكانتها العميقة، باعتبارها مدرسة تفكير سياسية متكاملة، تُجسّد عراقة الدولة البوسعيدية، لتعيد الاعتبار لأخلاقيات القرار في زمن باتت فيه الواقعية المجردة مرادفًا للقسوة وقصر النظر.
ليست هذه التجربة أداءً دبلوماسيًا تقليديًا، إنما إعادة تعريف لوظيفة الدبلوماسية ذاتها. فالدبلوماسية، في المدرسة العُمانية البوسعيدية، ليست ردّ فعل على أزمة قائمة، ولا أداة تفاوض آنية تُدار تحت ضغط اللحظة، بل ممارسة استراتيجية بعيدة المدى، تُعنى بفهم جذور الصراع، وكشف رهاناته الخفية، ومنع انتقاله من حيّز التوتر القابل للاحتواء إلى حيّز المواجهة المفتوحة التي تُغلق أبواب العقل.
في هذا السياق، يغدو القرار السياسي فعلًا معرفيًا قبل أن يكون إجراءً سياسيًا، إصغاءً عميقًا لما لا يُقال بقدر ما يُقال، وضبطًا للإيقاع قبل إطلاق الخطوة، وتحكّمًا في التوقيت بوصفه أداة تأثير لا مجرّد إطار زمني. وبهذا المعنى، تنتقل الدبلوماسية من إدارة أزمات إلى هندسة استقرار، ومن احتواء اللحظة إلى صون المستقبل.
وتقوم هذه المقاربة على قناعة راسخة بأن الواقعية السياسية، حين تنفصل عن بعدها الأخلاقي، تفقد قدرتها على الاستدامة، كما تفقد البوصلة معناها إن انفصلت عن الاتجاه. لذلك، لم تكن الأخلاق في التجربة العُمانية خطابًا مكمّلًا أو زينة لغوية، إنما مكوّنًا بنيويًا من أدوات التأثير، وعنصرًا حاسمًا في بناء الثقة الدولية المتراكمة، التي جعلت من عُمان مساحة تواصل آمنة في عالمٍ تتناقص فيه مساحات الثقة، وتُستنزف فيه قيمة الوساطة النزيهة.
وقد تجلّت ملامح هذه المدرسة في المواقف الكبرى، حيث برزت سياسة جلالة السلطان هيثم بن طارق فاعلًا في صون الاستقرار الإقليمي، من خلال مواقف متزنة حافظت على جوهر القضايا العادلة دون انزلاق إلى المزايدات أو الارتهان للخطاب الشعبوي. ففي القضية الفلسطينية، ظل الموقف العُماني ثابتًا على العدالة بوصفها قيمة غير قابلة للمساومة، وعلى الحق بوصفه معيارًا أخلاقيًا لا يخضع لموازين القوة، بعيدًا عن الضجيج، مكتفيًا بالقوة الهادئة التي تحفظ المعنى حين تضيع الأصوات.
وفي الملف اليمني، قُدّم نموذج رفيع للدبلوماسية الوقائية، حيث لم تُدار الأزمة بمنطق الاصطفاف، بل بعقل تفكيك الصراع وكسر حلقات التصعيد التي أطالت أمد الحرب. وفي هذا الإطار، شكّلت الهدنة بين المملكة العربية السعودية وحركة أنصار الله إحدى أبرز ثمار النهج العُماني المتزن، إذ أسهمت الوساطة العُمانية في تهيئة بيئة الثقة اللازمة للانتقال من منطق الاستنزاف المفتوح إلى منطق التهدئة القابلة للبناء والتوافق، بوصفها مدخلًا استراتيجيًا لإعادة ضبط مسار الطريق، لا إجراءً مؤقتًا لخفض حدّة التوتر.
وفي بعدها الإنساني العملي، تجلّت الدبلوماسية العُمانية في قدرتها على تحويل التهدئة السياسية إلى أثر إنساني مباشر، من خلال تسهيل اتفاقات تبادل الأسرى، والمساهمة في فكّ رهائن أوروبيين وأمريكيين وعرب، سواء في اليمن أو في سياقات إقليمية معقّدة كإيران، بما أكّد أن الوساطة المتزنة لا تُقاس فقط بما تُنهيه من صراعات، إنما بما تنقذه من أرواح، وبما تعيده من بشر إلى حياتهم خارج منطق الصراع.
أما في العلاقات بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية، فقد بلغت المدرسة العُمانية إحدى أكثر لحظاتها دقة، عبر وساطة حافظت على خيوط التواصل في أشدّ مراحل الانسداد، ومنعت انزلاق المنطقة إلى تصعيد كان من شأنه إعادة رسم خرائط العنف وعدم الاستقرار، بفاعلية هادئة تُطفئ الشرارة قبل أن تجد ما يشعلها.
وفي هذا الإطار، يُنظر إلى سلطنة عمان وقاماتها الذين تشرفوا بحمل الرسالة السلطانية النبيلة في حكومة جلالة السلطان هيثم في دوائر الفكر الاستراتيجي وصناعة القرار، لا بوصفهم سياسيين أو دبلوماسيين محترفين فحسب، بل بوصفهم عقل الدولة والحضارة العمانية المعاصرة التي تجمع بين عمق الفلسفة السياسية، ودقّة الحساب الاستراتيجي، ونزاهة حراس الدولة وأمانتها، في زمن بات فيه هذا التلاقي نادرًا.
ولا تقوم هذه الدبلوماسية على كثافة الظهور، ولا على استعراض الأدوار، إنما على فاعلية متزنة تُقاس بتعاملها مع الأزمات والمحن، وبما تُبقيه من مساحات مفترحة للعقل والتدبر حين تُغلقها الانفعالات، وبما تتجنبه من سيناريوهات كان يمكن أن تكون أشدّ كلفة وأكثر دمارًا.
ويأتي هذا النهج المتزن ضمن رؤية سيادية أوسع، ترعاها القيادة العُمانية، حيث يولي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم اهتمامًا بالغًا بالاستقرار الإقليمي، وحلحلة النزاعات، وتعزيز الوساطة بوصفها خيارًا استراتيجيًا ثابتًا لا تكتيكًا مرحليًا. وقد أتاح هذا الإطار السيادي الواضح للدبلوماسية العُمانية العمل بثبات واستمرارية، ومنحها شرعيتها الأخلاقية والسياسية بوصفها وسيطًا موثوقًا في أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية.
ومن هنا، تتجاوز المدرسة العُمانية كونها تجربة وطنية ناجحة، لتغدو مرجعية فكرية دبلوماسية في عالم تتشابه فيه دقّة التوازنات، وتتزايد فيه مخاطر الانزلاق من الخلاف إلى الصدام، وتتضاعف فيه الحاجة إلى دبلوماسية لا تُدار بردود الأفعال، بل بالحكمة والصبر وطول النفس. دبلوماسية تعرف كيف تُدير الاختلاف دون أن تُشعله، وكيف تحمي التوازن دون أن ترفعه شعارًا، وكيف تُبقي الإنسانية ما استطاعت خارج منطق الاستنزاف، وعلى مسافة آمنة من أسوأ احتمالات الفوضى والصدام والانهيار.



























