الصحوة – سعاد الوهيبية
تُعد عبارة “السالفة فيها إنَّ” واحدة من أشهر العبارات في الموروث الشعبي العربي، وهي “الكلمة السحرية” التي تُقال عندما يشعر المرء بأن هناك سراً خفياً، أو مكيدة تُدبّر في الخفاء، أو أن الظواهر لا تعكس الحقائق.
لكن هل تساءلت يوماً لماذا اخترنا حرف التوكيد “إنَّ” تحديداً لنعبر به عن الشك والريبة؟ يعود أصل هذه القصة إلى مدينة حلب السورية وقصة ذكاء وفطنة أنقذت حياة رجل.
تبدأ القصة مع رجل يُدعى علي بن منقذ، وهو أحد وجهاء حلب، الذي وقع بينه وبين حاكمها خلاف شديد، مما اضطره للهرب خوفاً على حياته، وبعد فترة، أراد الحاكم أن يستدرج “ابن منقذ” ليعود إلى حلب حتى يتمكن من الفتك به، فأمر كاتبه بأن يكتب له رسالة أمان يدعوه فيها للعودة ويعده بالخير.
كان الكاتب صديقاً لعلي بن منقذ، وكان يخشى عليه من غدر الحاكم، لكنه لم يستطع مخالفة الأوامر بشكل مباشر؛ فلجأ إلى حيلة لغوية بارعة حيث كتب رسالة الأمان كما أمره الحاكم وفي نهاية الرسالة، وبدلاً من أن يكتب “إن شاء الله تعالى”، كتب: “إنَّ شاء الله تعالى” (بتشديد النون في إنَّ).
وعندما وصلت الرسالة إلى علي بن منقذ، توقف عند النون المشددة، وفطن فوراً إلى أن الكاتب يشير إلى الآية الكريمة: “إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ”؛ ثم ردّ علي بن منقذ برسالة شكر عادية، لكنه ختمها بعبارة: “إنَّا الخادم المقر بالأنعام”.
وهنا فطن الكاتب بدوره إلى أن “ابن منقذ” فهم الرسالة، وأنه يشير إلى قوله تعالى: “إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا”.
منذ تلك الحادثة، شاعت العبارة بين الناس، فكلما اشتبه أحدهم في أمر، أو شعر بأن الكلام المنمق يُخفي خلفه نية سيئة، قال: “الموضوع فيه إنَّ” أو “السالفة فيها إنَّ”.
“إنَّ” في لغتنا ليست مجرد أداة نصب وتوكيد، بل هي في الوجدان الشعبي “إنذار مبكر” يحثنا على إعمال العقل والبحث عما وراء الكلمات.



























