الصحوة – علي الحداد
في عُمان، لا يتقدّم الدين بخطى عالية، ولا يطلب حضوره عبر المقارنة أو الجدل. يحضر بهدوءٍ يشبه حضور البحر عند الفجر، واسعًا، مطمئنًا، يمنح المكان معناه دون أن يزاحمه. هنا، حيث تعلّمت الجبال الثبات دون قسوة، وتعلّم البحر الاتساع دون ضياع، تشكّلت الروح العُمانية على يقينٍ بأن السكينة ليست حيادًا، بل وعيٌ عميقٌ بقيمة الإنسان.
لم يكن التنوّع في هذه الأرض طارئًا، ولا وليد ظرفٍ عابر. لقد نما مع التاريخ، وتشكّل مع حركة الناس والرياح والطرق البحرية، حتى صار جزءًا من الإيقاع اليومي للحياة. ومع الزمن، لم يُنظر إلى الاختلاف بوصفه عبئًا، بل باعتباره علامة حياة، ودليل نضج، ومساحة ثراء في التجربة الإنسانية.
تجاورت المذاهب الإسلامية في عُمان تجاورًا كريمًا ومتوازنًا. الإباضي، والشافعي، والشيعي، والمذاهب الأخرى، حضرت جميعها بوصفها مدارس فكر واجتهاد، لا عناوين فاصلة بين الناس. لكل مذهب إرثه العلمي ومساحته الفقهية، غير أن هذا التعدّد ظلّ تعبيرًا عن عمق التجربة الدينية، وبقي في موضعه الطبيعي .. معرفة تُقدَّر، وتراث يُصان، وتنوّع يثري المشهد العام.
ويبلغ هذا الفهم ذروته في المسجد العُماني. هناك، تتخفّف الأسماء، وتلين العناوين، ويقف الإنسان متجهًا بقلبه قبل جسده. الصفوف منتظمة، لكن الانسجام الحقيقي يحدث في الداخل. الوجوه مختلفة، غير أن الخشوع واحد، وحين يرتفع النداء، تنسحب التفاصيل، ويبقى الجوهر حاضرًا في سكونٍ جامع.
لا تُقاس التجربة الدينية بالمقارنة، ولا تُراقَب الجزئيات، ولا تُستدعى النيات إلى ميزان الفحص. فالمسجد مساحة طمأنينة خالصة، يُقصَد كما يُقصَد الأمان. وفي هذا الفضاء، ظلّ التنوّع حاضرًا بروحه الطبيعية، بوصفه جزءًا من النسيج الديني، لا عنصرًا خارجًا عنه.
وقد انعكس هذا الاتزان على الحياة الاجتماعية، فكانت العلاقات اليومية بسيطة وواضحة، قائمة على الثقة والاحترام المتبادل. عاش الناس جيرانًا وأصدقاء وشركاء، دون حاجة إلى تعريفات مسبقة أو أسئلة إضافية. لم يكن الانتماء المذهبي شرطًا للتقارب، بل كان الإنسان يُعرَف بسلوكه، ويُقاس حضوره بما يتركه من أثر طيب.
ولم يتوقّف هذا الاتساع عند حدود المذاهب الإسلامية، بل تجاوزه ليشمل الأديان التي جاءت إلى عُمان من خلف البحار. أديان وصلت مع التجارة، ومع السفن، ومع قصص المسافات البعيدة، فوجدت في هذه الأرض بيئة تستقبل الإنسان قبل أي تعريف آخر. استقرّ أصحابها بهدوء، وشاركوا في تفاصيل الحياة اليومية، فصاروا جزءًا من المشهد العام، لا استثناءً فيه.
وفي ظلّ الدولة البوسعيدية، ترسّخت هذه الروح الجامعة، حيث تشكّلت الحياة الدينية في إطار من الانسجام والاستقرار، حافظ على وحدة المجتمع، وكرّس الاحترام المتبادل، وجعل التنوّع عنصر توازن وسكينة في بنية الوطن.
في عُمان، لا يُقاس الإنسان بما يدين به، بل بما يقدّمه للحياة من صدق وأمانة واحترام. هذه القيم لم تُرفَع كشعارات، ولم تُدوَّن بوصفها تعليمات، بل عاشت في السلوك اليومي، وتكرّست في الممارسة، حتى غدت بديهية لا تحتاج إلى تفسير.
إنها تجربة لا تُعلن عن نفسها، ولا تطلب الإشادة، لكنها تترك أثرها العميق في من يقترب منها. تجربة تفهم أن الهوية لا تضعف حين تتّسع، وأن التنوّع لا يُربك حين يُعاش بثقة، وأن الدين، حين يُعاش في مقاصده العليا، يكون عامل طمأنينة واستقرار.
وسط عالمٍ يميل إلى التوتر والاستقطاب، تقف سلطنة عُمان بهدوءٍ لافت، كجملة موسيقية ثابتة في لحنٍ متغيّر. لا تدخل في صراع، ولا ترفع صوتها، بل تكتفي بأن تكون مثالًا حيًّا على أن التعايش ممكن، وأن السلام ليس فكرة نظرية، بل ممارسة يومية.
هنا، قد لا تعرف مذهب من صلّى إلى جوارك، ولا دين من شاركك الطريق والسوق، لكنك تعرف أنك كنت في مكانٍ آمن للروح، وأن الإنسان كان حاضرًا قبل أي تصنيف، وأن الطمأنينة لم تكن وعدًا، بل واقعًا يُعاش.
وهذا، حين يستمر، لا يكون مصادفة، إنما ثقافة راسخة، ووعيًا متجذرًا، ووطنًا
اسمه عُمان.



























