الصحوة : علي الحداد
في نيودلهي، لم يكن الزمن محايدًا، ولم تكن اللحظة قابلة للقراءة السطحية. قبل أن تُفتَح القاعات، وقبل أن تتقدّم الكلمات إلى المنصّات، كانت الدبلوماسية قد قالت ما يكفي بالفعل. استقبال دولة ناريندرا مودي، رئيس مجلس الوزراء بجمهورية الهند، لمعالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية ، لم يكن طقسًا رسميًا عابرًا تُؤدّى فيه المجاملات ثم يُطوى، بل لحظة سياسية مكثّفة تُقرأ بوصفها اعترافًا بمكانة، وإشارة ثقة، وتقديرًا لمنهجٍ أثبت عبر الزمن أن الاتزان لا يقل فاعلية عن القوة، وأن الهدوء حين ينبع من يقين يتحول إلى نفوذٍ صامت. في ذلك اللقاء، انتقلت التحايا لا كعباراتٍ عابرة، بل كرسائل متبادلة بين قيادتين تدركان أن الاستقرار لا يولد من ردود الأفعال، إنما من خبرةٍ راشدةٍ تشكّلت عبر الزمن، وأن العلاقات التي تُبنى على الاحترام المتبادل لا تحتاج إلى استعراض لتأكيد حضورها.
وتعزّز هذا المعنى بلقاء مع معالي الدكتور سوبرامانيام جايشانكر، وزير الشؤون الخارجية، حيث بدا الحوار امتدادًا طبيعيًا لاستقبالٍ سبق البيان، وتفاهمٍ سبق الخطاب. لم يكن الحديث استعراضًا للملفات بقدر ما كان ضبطًا للإيقاع السياسي، وتأكيدًا على أن التنسيق والتشاور ليسا ترفًا دبلوماسيًا، بل شرطًا وقائيًا لتجنيب المنطقة والعالم كلفة الانزلاق نحو التصعيد. هناك، تكرّس الحوار بوصفه خيارًا واعيًا، والدبلوماسية بوصفها أداة ترشيدٍ للقوة لا بديلًا هشًا عنها.
بعد ذلك، وحين جاء الاجتماع الوزاري الثاني لمنتدى التعاون العربي الهندي، لم تدخل عُمان القاعة بوصفها مشاركًا في نقاشٍ ظرفي، إنما بوصفها فكرةً سياسية مكتملة الملامح. ترؤس معالي السيد الوزير وفد سلطنة عُمان لم يكن استجابةً لموعدٍ مدرج على جدول أعمال، إنما اتساقًا عميقًا مع تاريخٍ لا يُستدعى للتزيين، بل ليُستثمر في صياغة الحاضر واستشراف ما بعده. وحين ألقى كلمته، لم يُخاطب سطح الحدث، بل طبقته العميقة، تلك التي تُبنى فيها الشراكات على صبر المعنى لا على استعجال المكاسب، ويُفهم فيها احترام السيادة باعتباره ممارسةً راسخة لا شعارًا يُرفع عند الحاجة.
العلاقات العربية الهندية لم تُستحضَر بوصفها سردًا تاريخيًا يُستكمل به الخطاب، بل كذاكرةٍ حيّة تشهد أن الحضارات حين تتجاور بلا خوف تُنتج عقلًا مشتركًا لا ذاكرةً متنازعة. من مسارات السفن التي عبرت المحيط محمّلة بالبضائع والأفكار معًا، إلى التلاقح الثقافي والإنساني الذي صنع لغة تفاهمٍ عابرة للأديان والأعراق، تشكّل وعيٌ يرى في التعاون امتدادًا طبيعيًا للتاريخ لا انقطاعًا عنه. ومن هذا الوعي، طُرحت مجالات التجارة والاستثمار والصحة والصناعات الدوائية وحماية البيئة لا كقوائم تقنية تُتلى، بل كمسارات سيادية تُعيد للاقتصاد العالمي بعض توازنه، وتمنح الشراكات بُعدًا أخلاقيًا يتجاوز منطق الربح السريع.
وفي حديثه عن أمن الطاقة والزراعة والأمن الغذائي، لم يكن المقصود تعداد القطاعات، بل إعادة ترتيب الأولويات في عالمٍ باتت فيه سلاسل الإمداد عرضة للاهتزاز، وحيث يصبح التعاون الحقيقي فعلَ صمودٍ جماعي في وجه الأزمات العابرة للحدود. الموارد العربية، حين تلتقي بالقدرات الصناعية والتكنولوجية الهندية، لا تُنتج منفعةً متبادلة فحسب، بل تفتح أفقًا جديدًا لفهم الاستدامة بوصفها شراكة طويلة النفس، لا استنزافًا مؤقتًا. وحتى البحر، لم يُستدعَ كجغرافيا صامتة، بل كذاكرةٍ كونية وشريان حياة، وحين جرى التشديد على أمن الملاحة البحرية وحرية التجارة الدولية، كان المقصود حماية نبض الاقتصاد العالمي وصون المصالح المشتركة، لا رسم خطوط نفوذٍ جديدة.
وفي قلب هذا النسق المتزن، حضرت فلسطين بلا التفافٍ لغوي ولا مهادنةٍ رمزية، حاضرة بوصفها البوصلة التي لا يجوز كسرها، والمعيار الذي تُقاس به عدالة النظام الدولي حين تُختبر مبادئه. التأكيد على حلٍ عادلٍ وشامل، وعلى قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وعضويتها الكاملة في الأمم المتحدة، لم يكن بيان موقفٍ اعتياديًا، بل تثبيتًا لمعادلة أخلاقية تقول إن القانون الدولي إن لم يُنصف الأضعف يفقد معناه، وإن السلام الذي لا يقوم على العدالة يظل مؤجلًا مهما طال التفاوض.
وهكذا، اكتمل المشهد في نيودلهي بهدوءٍ واثقٍ لا يطلب التعجيل. عُمان تسبق أفعالُها كلماتِها، وتُمهّد بالبصيرة قبل الخطاب، وتمنح للدبلوماسية معناها الأصيل بوصفها فنّ إدارة الاختلاف لا تأجيجه. دولةٌ لا ترفع صوتها لأنها لا تحتاج إلى ذلك، ولا تُكثر من العبارات لأنها تثق بوزنها، ولا تُراهن على اللحظة لأنها تعمل للمستقبل. دولةٌ حين تتكلم، لا تشرح نفسها، بل تترك أثرها يعمل في الزمن، بثباتٍ لا يزول.



























