حصريٌّ لـ«الصحوة» – تعود مسقط إلى واجهة الدبلوماسية الدولية مع استئناف المباحثات الأمريكية–الإيرانية بشأن البرنامج النووي الإيراني، في محطة سياسية دقيقة تُعيد فتح ملفٍ تعثّر قبل أشهر، وتضع اختبارًا جديدًا لقدرة الدبلوماسية على احتواء واحدة من أكثر أزمات الإقليم تعقيدًا. وبين تعثّرٍ سابق، وضغوطٍ متصاعدة، وشروطٍ متقابلة، تبرز سلطنة عُمان مجددًا بوصفها نقطة ارتكاز هادئة لمسارٍ تفاوضي يتطلع العالم إلى مآلاته.
▪️استئناف على أرض مألوفة
قرار نقل المباحثات من تركيا إلى سلطنة عُمان، بطلبٍ إيراني وموافقةٍ أمريكية، لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل رسالة سياسية بحد ذاته. فمسقط ليست ساحة جديدة على هذا النوع من الملفات؛ بل ارتبط اسمها، عبر سنوات، بفتح القنوات حين تُغلق الأبواب، وبإدارة الحوارات الحساسة بعيدًا عن الضجيج والاستقطاب. وبحسب ما أُعلن، فإن المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف سيلتقي مسؤولين إيرانيين، في ظل تأكيد البيت الأبيض استمرار المسار الدبلوماسي، مع إبقاء خيارات أخرى مطروحة.
من جانبها، طلبت طهران بوضوح حصر جدول الأعمال في الملف النووي، دون إدراج ملفات الصواريخ الباليستية أو دعم الجماعات المسلحة في المنطقة، وهو مطلب يعكس رغبتها في العودة إلى «جوهر الخلاف» بدل توسيعه. هذا التحديد للأجندة يعيد إلى الواجهة أحد أسباب تعثّر محادثات 2025، حين اتسعت دائرة النقاش وتقلّص هامش التوافق.
▪️لماذا تعثّرت محادثات 2025؟
لفهم دلالات استئناف اليوم، لا بد من العودة إلى أسباب التعثّر السابق. فالمحادثات التي جرت خلال عام 2025، بوساطة عُمانية بين مسقط وروما، اصطدمت بثلاث عقد رئيسية:
أولًا: معضلة التخصيب
الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، دفعت باتجاه تصفير تخصيب اليورانيوم أو تفكيك القدرة الإيرانية عمليًا، فيما تمسّكت طهران بحقها في التخصيب داخل أراضيها، مع قبولها ـ نظريًا ـ بقيود ورقابة مشددة. هذه الفجوة لم تكن تقنية فحسب، بل سيادية ورمزية، ما جعل ردمها بالغ الصعوبة.
ثانيًا: توسعة الأجندة
إيران أرادت «نوويًا فقط»، بينما سعت واشنطن إلى إدراج الصواريخ الباليستية وأنشطة وكلاء إيران في الإقليم. وكلما توسعت الأجندة، ارتفعت كلفة التنازل، وتزايدت الشكوك المتبادلة.
ثالثًا: ظلال يونيو 2025
العدوان الإسرائيلي على إيران بدعم أمريكي في يونيو 2025، والذي استمر 12 يومًا، أنهى عمليًا تلك الجولة من الدبلوماسية، وألقى بظلال كثيفة على أي محاولة لاحقة. فالثقة، التي كانت هشة أصلًا، تآكلت إلى حدّها الأدنى.
▪️ما الذي تغيّر اليوم؟
استئناف المباحثات لا يعني أن الخلافات قد زالت، لكنه يعكس تغيّرًا في الظرف السياسي. فالضغوط الأمريكية والإسرائيلية على إيران تصاعدت، سواء عبر العقوبات أو الخطاب السياسي، في وقت تشهد فيه طهران تحديات اقتصادية ومعيشية داخلية. في المقابل، تدرك واشنطن أن إدارة الأزمة عبر القوة وحدها تحمل مخاطر انفجار إقليمي واسع، وأن نافذة الدبلوماسية ـ وإن ضاقت ـ لم تُغلق بالكامل.
في هذا السياق، تبدو جولة مسقط أقرب إلى إعادة اختبار للنوايا منها إلى حسمٍ سريع. فهي محاولة لقياس ما إذا كان الطرفان مستعدين لتقديم تنازلات مدروسة، أو على الأقل للاتفاق على مسار تفاوضي متدرج.
▪️لماذا مسقط مرة أخرى؟
اختيار مسقط ليس صدفة. فسلطنة عُمان بنت، عبر عقود، نهجًا دبلوماسيًا يقوم على الحياد الإيجابي، والقدرة على التواصل مع أطراف متخاصمة دون أن تُحسب على أي محور. هذا النهج جعلها خيارًا مفضلًا في الملفات التي تحتاج إلى:
• سرية وانضباط إعلامي يتيح اختبار الأفكار دون ضغوط فورية.
• وسيط غير استقطابي لا يحمل أجندة خفية.
• استمرارية في المسار بدل القفز بين عواصم متعددة.
كما أن عودة المباحثات إلى مسقط تعطيها طابع «الاستكمال» لمسار سابق، وهو ما يمنح العملية التفاوضية معنى سياسيًا أعمق من مجرد لقاء عابر.
▪️سيناريوهات محتملة
مع انعقاد محادثات الجمعة، تبرز ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
1) اتفاق مرحلي محدود:
خطوات نووية قابلة للتحقق مقابل تخفيف محدود للعقوبات، بما يسمح للطرفين بإعلان «تقدم» دون حسم القضايا الكبرى دفعة واحدة.
2) مساران متوازيان:
مسار نووي ضيق يُنتج تقدمًا سريعًا، ومسار أوسع تُرحّل إليه الملفات الإقليمية والصاروخية لاحقًا، وهو طرح ينسجم مع المطلب الإيراني بحصر الأجندة.
3) اختبار نوايا دون اختراق:
محادثات تُبقي باب الدبلوماسية مفتوحًا، لكنها لا تُفضي إلى نتائج ملموسة في المدى القريب، بانتظار تغيّر أوسع في موازين السياسة.
▪️مؤشرات يجب مراقبتها
نجاح هذه الجولة أو تعثرها سيتضح من خلال تفاصيل تبدو صغيرة لكنها بالغة الدلالة:
هل سيُعلن عن جولة لاحقة فورًا؟ هل ستُدار المحادثات مباشرة أم عبر وساطة كاملة؟ هل ستبقى الأجندة محصورة في النووي؟ والأهم: هل ستظهر لغة جديدة في البيانات الختامية تتجاوز عموميات «الأجواء البنّاءة»؟
▪️الحل في مسقط..؟
في لحظة إقليمية مشحونة، تعود مسقط لتؤكد أن الهدوء ليس حيادًا سلبيًا، بل استراتيجية دبلوماسية واعية. فبين ضغط القوة ومخاطر الانفجار، تطرح سلطنة عُمان نموذجًا يقوم على التدرج، وبناء الثقة، وإدارة الخلاف بدل تصعيده.
ومع انعقاد محادثات الجمعة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تكون مسقط مرة أخرى نقطة انعطاف في مسار أزمة نووية طويلة؟ أم محطة ضرورية لإدارة الخلاف إلى أن تنضج شروط التسوية؟ الإجابة ستبدأ بالتبلور من هنا، من عاصمةٍ اعتادت أن تكون حيث يلتقي المختلفون عندما تضيق الخيارات.

























