الصحوة – في وقت تتزايد فيه الضغوط على الاقتصادات المعتمدة على الموارد الطبيعية، برز اسم سلطنة عُمان في تقارير دولية بوصفها حالة تستحق التوقف عندها، ليس بسبب وفرة مالية استثنائية، بل نتيجة مسار إصلاحي متدرّج أعاد رسم ملامح إدارة المالية العامة خلال سنوات قليلة. هذا التقييم لا يصدر عن جهة واحدة، بل يتقاطع عنده البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ووسائل إعلام اقتصادية عالمية، ما يمنح التجربة العُمانية بعدًا تحليليًا يتجاوز السياق المحلي.
البنك الدولي: إصلاح مالي قائم على الانضباط لا على الطفرة
أوضح البنك الدولي في مدونته التحليلية حول سلطنة عُمان أن الإصلاحات المالية التي بدأت منذ عام 2020 اعتمدت على مبدأ ضبط الإنفاق وتعزيز كفاءة إدارة الموارد بدل الاعتماد على حلول مؤقتة مرتبطة بدورات أسعار النفط، ولفت البنك إلى أن الحكومة العُمانية، مع عودة تحسن أسعار النفط، اختارت توجيه الإيرادات الإضافية نحو خفض الدين العام بدل توسيع الإنفاق، وهو خيار اعتبره البنك مؤشرًا على تحول في التفكير المالي طويل الأمد.
التقرير أشار أيضًا إلى أن الإطار المالي متوسط الأجل شكّل العمود الفقري لهذا التحول، إذ وفر مرجعية واضحة للإنفاق والإيرادات، وحدّ من القرارات الارتجالية التي عادة ما ترافق فترات الانتعاش النفطي في المنطقة.
صندوق النقد الدولي: تحسّن المؤشرات واستعادة المصداقية
هذا التقييم التنموي يتقاطع مع قراءة أكثر تقنية قدّمها صندوق النقد الدولي في مراجعاته الدورية للاقتصاد العُماني. فقد أشار الصندوق إلى تراجع ملموس في مستويات الدين العام وتحسّن مؤشرات العجز، معتبرًا أن ذلك يعكس قدرة السلطات المالية على إدارة الصدمات الخارجية دون الإخلال بالاستقرار الاقتصادي.
ويرى الصندوق أن ما يميز التجربة العُمانية هو أن الإصلاحات لم تتوقف عند ضبط الإنفاق، بل امتدت إلى تنويع مصادر الإيرادات عبر أدوات ضريبية مدروسة، ما يقلل تدريجيًا من الاعتماد على النفط كمصدر وحيد لتمويل الموازنة. هذا التوجه، بحسب الصندوق، يعزز مرونة المالية العامة في مواجهة تقلبات الأسواق العالمية.
رويترز: قراءة الأسواق وثقة المستثمرين
من زاوية إعلامية واقتصادية مستقلة، نقلت رويترز في أكثر من تقرير تحليلي أن تحسّن مؤشرات المالية العامة في عُمان انعكس مباشرة على نظرة الأسواق ووكالات التصنيف الائتماني، وربطت الوكالة بين الإصلاحات المالية وخفض الدين من جهة، وبين تحسن تصنيف السلطنة الائتماني واستعادة ثقة المستثمرين من جهة أخرى.
رويترز لفتت إلى أن سلطنة عُمان تُقدَّم في هذا السياق كدولة تجنبت العودة إلى سياسة التوسع المالي السريع رغم تحسن الإيرادات، وهو ما يُقرأ في الأسواق كإشارة انضباط واستدامة، لا كاستفادة ظرفية من دورة أسعار مواتية.
ما الذي يميّز الحالة العُمانية؟
عند جمع هذه القراءات الثلاث، يتضح أن التجربة العُمانية لا تُصنَّف كنموذج قائم على الحجم أو الفوائض الكبيرة، بل كنموذج إدارة محسوبة للانتقال المالي. فلا اندفاع نحو الإنفاق، ولا تجميد للإصلاحات، بل مسار متوازن يربط بين:
• ضبط المالية العامة
• تنويع الإيرادات
• خفض الدين
• وتعزيز الثقة الدولية
هذا ما يجعل اسم سلطنة عُمان حاضرًا في التقارير الدولية بوصفها حالة إصلاحية هادئة في منطقة غالبًا ما تُربط بالتقلبات.
الخلاصة ؛ لا تقدّم التقارير الدولية سلطنة عُمان كاقتصاد بلا تحديات، لكنها تضعها ضمن فئة الدول التي اختارت معالجة اختلالاتها المالية في وقت مبكر، وبأدوات تدريجية قلّلت من كلفة التصحيح على المدى الطويل، وبين قراءة البنك الدولي التنموية، وتقييم صندوق النقد الفني، وسرد رويترز الصحفي المرتبط بالأسواق، تتشكل صورة واحدة:
عُمان دولة أعادت ترتيب ماليتها العامة بطريقة جعلتها محط متابعة دولية إيجابية، ليس لأن الإصلاح انتهى، بل لأن مساره بات واضحًا ومقنعًا للفاعلين الدوليين.



























