الصحوة – علي الحداد
ليست كل العواصف سواء.
بعضها يمرّ في السماء ثم ينقضي،
وبعضها يعبر خرائط السياسة فيترك العالم واقفًا بين القلق والترقّب.
وفي مثل هذه اللحظات، حين تضيق المسافات بين القرار ونتائجه، تظهر الدول التي تعرف كيف تحفظ اتزانها حين تضطرب الموازين.
وهناك .. تنهض سلطنة عُمان.
لا كحضورٍ عابر في مشهدٍ إقليمي متوتر، إنما كدولةٍ رسخت عبر الزمن مكانتها بوصفها أيقونة سلام ومرجعية اتزان حين تتشابك الحسابات وتضيق مسارات الحكمة.
ففي منطقةٍ اعتادت أن تُدار السياسة فيها بمنطق القوة، اختارت سلطنة عُمان أن تقاربها بمنطقٍ أعمق .. منطق البصيرة.
ولهذا لم تكن الدبلوماسية العُمانية مجرد إدارةٍ للعلاقات، بل ممارسة واعية لفنّ الحفاظ على التوازن حين تميل الكفّتان.
وفي هذا السياق يتجلّى حضور معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير خارجية، بوصفه أحد الأعمدة التي تجسّد المدرسة الدبلوماسية العُمانية القائمة على رصانة القرار ونُبل المقصد.
ليس معالي السيد بدر البوسعيدي مجرد وزير خارجية يقود دبلوماسية دولة، إنما أحد العقول التي أعادت تعريف معنى الاتزان السياسي في إقليمٍ تضطرب فيه الموازين وتعلو فيه ضوضاء الأزمات.
فمعالي البدر .. لا يتعامل مع السياسة بوصفها متابعةً يومية للأحداث، إنما بوصفها علماً لفهم التوازنات الدقيقة التي تحكم الإقليم والعالم. جمع بين عمق الفكر الاستراتيجي للقائد الأعلى جلالة السلطان المعظم وخبرته الدبلوماسية المتراكمة، ورؤيةٍ سياسية تدرك أن الأزمات الكبرى لا تُدار بالاندفاع، بل بإعادة فتح الطرق التي أغلقتها الانفعالات.
ومن خلال هذا النهج، أسهم معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي في ترسيخ صورة عُمان بوصفها إحدى العواصم القليلة النادرة التي يُلجأ إليها حين تتعقد الملفات وتتشابك المصالح، إذ يجمع في مقاربته بين حنكة رجل الدولة وهدوء الدبلوماسي الذي يعرف أن أعقد الأزمات تبدأ غالباً بالصبر الاستراتيجي والسمت الدبلوماسي الذي يخطو بخطوات الثقة والتوازن.
ولهذا لم تكن مسقط، عبر السنوات، مجرد عاصمة هادئة على الخليج، بل محطة يقصدها المختلفون حين تتعثر الطرق بينهم.
وفي لحظةٍ إقليمية تتسم بدرجة عالية من الحساسية، مع التصعيد العسكري الناتج عن الحرب التي تشنها إسرائيل والولايات المتحدة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، واصلت الدبلوماسية العُمانية حركتها المتزنة لتوسيع دائرة التواصل الدولي.
لكن ما يميز المقاربة العُمانية أن بعدها الإنساني لا ينفصل عن بعدها السياسي.
ولا يتوقف النهج العُماني عند حدود الحسابات السياسية وحدها، بل يمتد ليضع الإنسان في قلب معادلة السياسة.
وفي هذا الإطار، وجّه معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي رسالة عبر منصة إكس، دعا فيها إلى تنظيم رحلات جوية لإعادة الراغبين في العودة إلى أوطانهم من دول الخليج، بالتنسيق مع الحكومات المعنية وشركات الطيران الدولية، مؤكداً أن الاعتبارات الإنسانية يجب أن تبقى فوق كل الحسابات السياسية.
وقال معاليه بكلمات تختزل دروس المدرسة الدبلوماسية العمانية :
“مواطنو جميع الدول لهم الحق الإنساني في الأمن والسلامة .. الإنسان هو الأهم. فلنوقف الحرب الآن.”
لم تكن هذه الكلمات مجرد إعلانٍ لترتيباتٍ لوجستية، إنما بيانًا سياديًا بلسانٍ إنساني. ففي لحظةٍ تزدحم فيها الحدود بالأسئلة، قدّم معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي إجابةً واحدة لا تتفرّع .. أن الدولة تُقاس بقدرتها على حماية الإنسان لا بتعداد المواقف. وحين أشار إلى أن تنظيم الرحلات يتم بالتنسيق مع الحكومات وشركات الطيران الدولية، كان يرسم ممرًّا يجمع بين الواجب الوطني واحترام سيادة الدول، تعاونٌ لا وصاية، ومسؤوليةٌ لا استعراض.
“نعني بذلك الجميع، بغض النظر عن جواز سفركم.”
لتعلن هذه العبارة أن الهوية الورقية لا ينبغي أن تكون قيدًا على حق الحياة، وأن الإنسان لا الجواز هو مركز القرار.
وهنا تتحول الرسالة الإنسانية إلى موقفٍ سياسي واضح : أن حماية البشر ليست تفصيلاً في زمن الأزمات، بل هي جوهر السياسة نفسها.
فالدبلوماسية، في معناها الأسمى، لا تُختبر بقدرتها على إرضاء الأقوياء، بل بقدرتها على حماية الأبرياء.
ولهذا يمكن تلخيص روح هذا النهج في عبارة واحدة:
الدبلوماسية العظيمة لا تُقاس برضا الأقوياء، بل بقدرتها على حماية الأبرياء وفتح طريقٍ للسلام حين يعلو ضجيج السلاح. ومن هنا تمضي عُمان في سياستها، لا بحثًا عن موضعٍ في الحروب، بل عن أثرٍ إنساني يخفف عن البشر قسوة الصراعات.
ومن هذا الفهم تمضي سلطنة عُمان في سياستها، مستندة إلى الرؤية الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان
هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه –
الذي جعل من الحكمة نهجًا للدولة، ومن الاتزان قوةً في زمنٍ يميل فيه العالم نحو الانحياز والاهتزاز.
وفي عالمٍ يزداد صخبًا يوماً بعد يوم، تبقى هناك دول قليلة تعرف أن السياسة يمكن أن تكون أهدأ .. وأكثر إنسانية.
فحين يشتد اضطراب العالم، تبقى هناك عواصم تحفظ للحكمة مقامها .. ومسقط دائماً في طليعتها بالحكمة والموعظة الحسنة والبصيرة.
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين.




























