الصحوة – سعاد الوهيبية
تُطلّ الأبواب التقليدية في عُمان بوصفها أكثر من عناصر معمارية تتقدّم واجهات البيوت والحارات القديمة؛ فهي صفحات مفتوحة من الذاكرة، تحفظ ملامح الزمن، وتروي سيرة المكان بلغة الخشب والنقش والتفاصيل، وفي كل باب عُماني حكاية، وفي كل زخرفة أثر، وفي كل مقبض قديم لمسة من روحٍ عبرت من هنا، وتركت في الخشب معنى لا يبهت.
ارتبطت هذه الأبواب بالبيت العُماني بوصفه مساحة للسكن والانتماء، فكانت المدخل الذي يعبر منه الناس، وتعبر معه المناسبات، والأفراح، ووجوه العابرين، وأصوات الحياة اليومية، ومن هنا، لم يكن الباب مجرد فتحة تؤدي إلى الداخل، بل كان حدًّا جماليًا وثقافيًا يفصل بين الخارج والخصوصية، ويجمع في الوقت نفسه بين الوظيفة والفن، وبين الحماية والذوق، وبين الحاجة والتعبير.
وتحمل الأبواب التقليدية في عُمان قيمة فنية بارزة، تظهر في ما تزدان به من نقوش هندسية وزخارف نباتية وتفاصيل يدوية تعكس براعة الحرفي العُماني وحسّه الجمالي الرفيع، وقد استطاع هذا الحرفي أن يمنح الخشب حياة أخرى، فيحوّله إلى عنصر نابض بالمعنى، يختزن ثقافة المجتمع، وذائقته، وعلاقته العميقة بالجمال؛ لذلك تبدو الأبواب القديمة وكأنها أعمال فنية قائمة بذاتها، تعيش في المكان وتمنحه شخصيته الخاصة.
كما تمثل هذه الأبواب جزءًا أصيلًا من الهوية العُمانية، لأنها ترتبط بالعمارة التقليدية وما تحمله من خصوصية بيئية واجتماعية وثقافية، فهي تعكس تنوع البيئات العُمانية وتفاصيلها، وتظهر حضور التراث في الحياة اليومية بصورة طبيعية وعفوية، ومن خلالها، يمكن قراءة جانب من تاريخ المجتمع، وطريقة عيشه، واهتمامه بالخصوصية، والجمال، والحرف، والرموز التي تتناقلها الأجيال.
وفي المدن القديمة والقرى التاريخية، تقف هذه الأبواب شاهدة على مرور الزمن، حافظةً لذاكرة الناس والمكان، كم من خطوات مرّت عبرها، وكم من وجوه استقبلتها، وكم من حكايات بدأت من عتبتها، ولهذا تظل الأبواب التقليدية جزءًا من الوجدان، لأنها لا تحفظ شكل البيت فقط، بل تحفظ إحساسه أيضًا؛ تحفظ دفء الحياة، وهيبة الماضي، وحنين التفاصيل التي لا تزال قادرة على ملامسة القلب.
إن الحديث عن الأبواب التقليدية في عُمان هو حديث عن التراث حين يتجسد في صورة قريبة من الناس، وعن الفن حين يسكن الأشياء اليومية، وعن الهوية حين تُرى في أبسط التفاصيل وأعمقها، فهي ليست مجرد أثر من الماضي، بل حضور مستمر لذاكرة وطن، ولجمالٍ عريق، ولمكان يعرف كيف يترك بصمته في الخشب كما يتركها في الروح.


























