الصحوة : علي الحداد
لا تُختبر البيانات بمدى ما تُفصح عنه، إنما بالحدّ الذي تُحسن أن تقف عنده. فالكلمة، إذا سبقت أسبابها، لم تُضئ المعنى بل زادته غموضًا. ومن هنا، لا يكون البيان وصفًا لواقعةٍ بقدر ما يكون تثبيتًا لموضعٍ منها، موضعٍ لا يتقدّم على ما يملك، ولا يتأخر عمّا يوجبه ميزان القول.
من هذا الأفق، يُقرأ بيان وزارة الخارجية العُمانية بوصفه صناعةً دقيقةً للحدّ بين ما يُقال وما ينبغي أن يُرجأ. فهو يفتتح بإدانةٍ صريحة لا لبس فيها للهجمات التي وُصفت بالغادرة الجبانة، ثم يُمسك في الآن ذاته عن نسبةٍ لم تستوفِ براهينها بعد، مؤكدًا أن المسؤولية لم يُعلنها أي طرف، وأن التقصّي لا يزال جاريًا في تتبّع المصدر والدوافع. وليس في هذا التوازن تردّد، بل صرامةٌ من نوعٍ أرفع .. أن يُطلق الحكم حيث يثبت الفعل، وأن يُؤخّر الإسناد حتى يكتمل دليله.
وفي هذا الفصل بين توصيف الفعل وتعيين فاعله، تتبدّى سمةٌ قلّ أن تُرى في خطابٍ سياسي، إذ لا يُستدرج النص ليُكمل ما لم يكتمل، ولا يستعير من الظنّ ما يسدّ به فراغ المعرفة. فالقول، حين يُستدعى لتغطية ما لا يُعرف، ينقلب من بيانٍ إلى تخمينٍ مُهذّب.
ولا يقف البيان عند ظاهر الواقعة، بل ينفذ إلى ما وراءها، فلا يكتفي برصد الحدث، بل يلمّح إلى شبكةٍ أوسع لم تتكشف بعد .. مصدرٌ غائب، ودوافع لم تُحسم، وسياقٌ لم يُستنفد. وكأن النص يذكّر دون تصريح أن الفعل لا يُقرأ في عزلة، بل في نسيجه الذي وُلد فيه.
ثم يتّسع النظر، فلا تُعزل الواقعة عن محيطها، بل تُدرج ضمن مشهدٍ إقليمي كامل، حيث تُدان الحرب الجارية وسائر أعمال العنف والاستهدافات العسكرية على امتداد المنطقة، في تأكيدٍ أن الموقف لا يُفصّل على قياس اللحظة، ولا يُجزّئ ما لا يقبل التجزئة.
ويُعاد، في هذا الامتداد، تثبيت الحياد الفاعل بوصفه أثرًا لثوابت موصوفة بالرصانة، توصيفٌ يحيل إلى منهجٍ سابقٍ على الوقائع، لا تابعٍ لها. ومن هنا، تأتي الدعوة إلى السلام ووقف الحرب والعودة إلى مسالك الحوار والدبلوماسية، لا كعبارةٍ مألوفة، بل كتصوّرٍ يعيد ترتيب العلاقة بين الأسباب ومآلاتها.
فالحياد هنا ليس انكفاءً، بل قدرةٌ على الاحتفاظ بحق تعريف المشهد دون الارتهان إليه.
ولعل ما يمنح هذا الطرح وزنه أنه يصدر عن خبرةٍ متراكمة تعرف أن ما يُفتح في لحظةٍ قد يستعصي على الإغلاق، وأن كلفة الاندفاع لا تُدفع حيث تُرتكب، بل حيث لا يُرى أثرها إلا بعد حين. ومن ثم، تبدو الدعوة إلى وقف الحرب كأنها استبقاءٌ لما تبقّى، قبل أن يستحيل الممكن إلى خسارةٍ كاملة.
وفي هذا الحدّ، تتبدّل دلالة الدبلوماسية، فلا تعود مجرد إدارةٍ للعلاقات، بل إدارةً لما يجوز أن يُقال فيها. إذ لا تُقاس بقدرتها على الحركة بين الأطراف، بل بقدرتها على الامتناع عمّا ليس منها. وهنا، تحديدًا، تتجلّى الصيغة العُمانية .. لا تُبالغ في إعلان نفسها، لكنها تُثبت حضورها بدقّتها، ولا تنشغل بتثبيت موقعها، لأنها تتحرّك من موضعٍ مستقرٍّ بذاته.
وفي المقابل، تكشف أنماط القول المتعجّلة عن خللٍ في ترتيب العلاقة بين المعرفة والتعبير، إذ يُقدَّم الصوت بوصفه دليل حضور، فيما هو في كثيرٍ من الأحيان تعويضٌ عن غيابه. وهنا يتمايز النهج الذي لا يستعجل إثبات نفسه في اللحظة، بل يصون قدرته على الفعل خارج ضغطها.
التسرّع في التسمية قد يُقحم الدولة في ما لم تتبيّن معالمه بعد.
وعليه، فإن بيان وزارة الخارجية العُمانية لا يستمد قيمته من مضمونه وحده، بل من حدوده التي التزم بها، ومن المسافة التي صانها بين ما ثبت وما لم يثبت، فلا هو استكمل ما لم يكتمل، ولا ترك موضعه خاليًا، بل ملأ هذه المسافة بوعيٍ يُبقي المعنى قائمًا دون أن يُثقله بما ليس منه.
وفي محصلته، لا يقف البيان عند حدّ الإدانة أو الدعوة، بل يمتد إلى تثبيت معادلة الاستقرار في أفقها الأوسع .. أمنٌ يُصان، وازدهارٌ لا يُستنزف، وشعوبٌ لا تُترك لتدفع ثمن ما لم تُسهم في صناعته.
في المحصلة، ليست المسألة فيما يُقال، بل في موضع القول من المعرفة. وهذا ما يقدّمه البيان نموذجًا لسياسةٍ لا تُبنى على استعجال النتيجة، بل على صيانة الطريق إليها.




























