حصريٌّ لـ«الصحوة» – في أول ظهور إعلامي له على رأس الجهاز الفني لمنتخبنا الوطني، لم يكتفِ طارق السكتيوي بتقديم نفسه كمدرب جديد، بل حرص على رسم ملامح مشروع كروي متكامل، يتجاوز حدود النتائج الآنية نحو بناء منظومة مستدامة لكرة القدم العُمانية. حديثه اتسم بالوضوح والواقعية، بعيدًا عن الوعود البراقة، وهو ما يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة المرحلة المقبلة وتعقيداتها.
منذ اللحظة الأولى، قدّم السكتيوي نفسه باعتباره “أكثر الغيورين على الكرة العُمانية”، في رسالة تحمل بُعدًا نفسيًا مهمًا للجماهير، لكنه في الوقت ذاته وضع إطارًا منطقيًا للتوقعات حين أكد أنه “لن يعطي أوهامًا”، مطالبًا بالصبر كشرط أساسي للنجاح. هذه المعادلة بين الحماس والواقعية تُعد مؤشرًا على توجه مدرب يسعى إلى بناء مشروع طويل الأمد، لا مجرد تحقيق نتائج سريعة قد تكون غير مستدامة.
المدرب المغربي أظهر وعيًا كبيرًا بخصوصية البيئة الكروية العُمانية، مؤكدًا أن اختلاف الثقافات ليس عائقًا، بل تحدٍ يجب على المدرب المتمكن استيعابه والتأقلم معه. هذا الطرح يعكس خبرة تراكمية، خصوصًا أنه شدد على أن “كرة القدم لها لغة واحدة”، وهو تصريح يحمل دلالة على توجهه لفرض هوية فنية واضحة، مع احترام خصوصية اللاعب العُماني من حيث العقلية والأسلوب.
اختياره تدريب المنتخب العُماني “عن قناعة وليس بدافع مادي” يحمل رسائل متعددة، أهمها وجود انسجام مبكر بينه وبين قيادة الاتحاد العُماني لكرة القدم، التي وصفها بأنها تمتلك “رغبة حقيقية في التطوير”. هذا التوافق يُعد عنصرًا حاسمًا في نجاح أي مشروع فني، خاصة في ظل منحه صلاحيات كاملة لاختيار جهازه الفني، والعمل وفق رؤية تمتد لأربع سنوات، هدفها الأكبر المنافسة على بطاقة التأهل إلى كأس العالم 2030.
على المستوى الفني، لم يُخفِ السكتيوي طموحه، إذ أكد أن الهدف لا يقتصر على المشاركة، بل تحقيق الألقاب، وهو تصريح يعيد رفع سقف الطموحات، لكنه ربط ذلك ببناء منتخب “تنافسي ومتماسك” يعمل وفق استراتيجية واضحة. اللافت أيضًا تركيزه على الفئات العمرية، خاصة منتخب تحت 20 عامًا، في إشارة صريحة إلى أن المشروع الحقيقي يبدأ من القاعدة، وليس فقط من المنتخب الأول.
قراءة في برنامج المنتخب خلال المرحلة المقبلة تكشف حجم التحدي الذي ينتظر المدرب الجديد؛ روزنامة مزدحمة بالمعسكرات الداخلية والخارجية، ومشاركات إقليمية وقارية، أبرزها كأس الخليج، وبطولة غرب آسيا، ثم نهائيات كأس آسيا. هذا الزخم يتطلب سرعة في التقييم واتخاذ القرار، خصوصًا في ما يتعلق باختيار العناصر القادرة على تنفيذ أفكاره الفنية في فترة زمنية محدودة.
في المقابل، تبدو المؤشرات إيجابية على مستوى الدعم المؤسسي، مع تخصيص ميزانية كبيرة للمنتخبات الوطنية، وبرامج إعداد واضحة لمختلف الفئات السنية، وهو ما يمنح السكتيوي أرضية مناسبة للعمل. غير أن التحدي الحقيقي سيبقى في ترجمة هذه الإمكانات إلى نتائج ملموسة، وهو ما يتطلب انسجامًا سريعًا بين الجهاز الفني واللاعبين.
ختامًا، يمكن القول إن المؤتمر الصحفي الأول لطارق السكتيوي لم يكن مجرد تقديم مدرب، بل إعلان بداية مرحلة جديدة للكرة العُمانية، عنوانها “البناء الواعي والطموح المشروع”. وبين دعوته للصبر، وإصراره على المنافسة، تقف الجماهير العُمانية أمام مشروع يحتاج إلى الوقت والثقة، لكنه يحمل في ملامحه فرصة حقيقية لإعادة تشكيل هوية المنتخب، ووضعه على طريق المنافسة القارية والدولية.




























