الصحوة – علي الحداد
في لحظةٍ إقليميةٍ تتكثف فيها الأزمات والتعقيدات، لا يعود الخطر في الوقائع وحدها، بل في الطريقة التي تُقرأ بها تلك الوقائع، وفي الدلالات التي تُحمَّل بها الإشارات والتحركات. ومع تصاعد التوترات وإغلاق مضيق هرمز في سياق التصعيد الناتج عن الاعتداء الأمريكي الإسرائيلي على إيران، برزت سلطنة عُمان كفاعلٍ مختلف، لا يشتبك مع الحدث من سطحه، بل ينفذ إلى بنيته، ويعمل على تفكيك التعقيد وضبط إدراكه قبل أن يتحول إلى انفجارٍ كامل.
الأزمات، في جوهرها، لا تنفجر دفعةً واحدة، بل تتراكم في طبقاتٍ غير مرئية، تبدأ بسوء تقديرٍ للنوايا، أو قراءةٍ غير دقيقة لحدود الآخر، ثم تتكاثف في رواياتٍ متعارضة، قبل أن تستحيل يقينياتٍ مغلقة. فهي لا تبدأ بالفعل الصادم نفسه، إنما بسلسلةٍ من التقديرات الخاطئة التي تسبقه وتمهّد له، حتى تتجلى في لحظةٍ تبدو فيها الأزمة وكأنها بدأت فجأة، بينما هي في حقيقتها نتاج تراكمٍ طويل.
وعند تلك العتبة، لا يعود الخطر في الفعل ذاته بقدر ما يكون في الدلالة التي يُحمَّل بها، إذ تتحول الإشارات إلى تهديدات، والحركات إلى نذر صدام، ويغدو الإدراك لا الواقع هو ساحة الاشتباك الحقيقية.
ومن هنا تتبدّى خصوصية المقاربة العُمانية.
فهي لا تتعامل مع الأزمة كتصادم مصالح فحسب، بل كاختلالٍ في الإدراك المتبادل، حيث لا تبدأ من سؤال ماذا نفعل؟ ، بل من سؤالٍ أدق .. كيف يفهم كل طرف ما يفعله الآخر؟
لأن ضبط الإدراك، في لحظات التوتر، هو المدخل الأعمق لضبط المسار.
تتحرك عُمان في المسافة الأكثر حساسية ..
بين الفعل وتفسيره،
وبين الإشارة وتلقيها.
لا تُطفئ الحرائق بعد اشتعالها فقط، إنما تعمل على تقليل قابلية الاشتعال قبل أن تلتقي الشرارة بالمادة.
ولهذا تبدو أدواتها هادئة .. لكنها في الحقيقة تعمل في المستوى الذي تتشكل فيه أسباب الأزمة لا مظاهرها.
يمكن فهم هذه الاستراتيجية بوصفها تفكيكًا طبقيًا للأزمة.
في طبقتها الأولى، يظهر السطح .. التصريحات، التحركات، والتهديدات، لكنها ليست أصل الأزمة، بل انعكاسها.
وفي الطبقة الثانية، يتشكل الإدراك .. كيف يرى كل طرفٍ الآخر، وكيف تتضخم النوايا في عينه حتى تتحول كل خطوة إلى اتهام.
أما في الطبقة الأعمق، فهناك البنية .. الذاكرة التاريخية، والهواجس السيادية، والشعور المتراكم بالتهديد.
ولا تسعى عُمان إلى إزالة هذه الطبقات، بل إلى منع انطباقها الكامل، لأن الانفجار يحدث حين تتلاقى كلها في نقطةٍ واحدة.
ولهذا تعمل على إعادة توزيع الضغط، وتُبقي القراءات قابلة للمراجعة، وتمنع الروايات من التحول إلى يقينياتٍ مغلقة.
في هذا السياق، يكتسب مضيق هرمز دلالته الأعمق.
فالمشكلة ليست في عبور السفن، بل في التفسير السياسي لهذا العبور.
هل هو حق طبيعي؟
أم استعراض قوة؟
أم تمهيد لشيءٍ أكبر؟
هنا تبدأ الأزمة .. لا في الحركة، بل في تأويلها.
فالمضيق ليس مجرد معبرٍ مائي، إنما عقدةٌ استراتيجية تتكثف فيها الجغرافيا والتاريخ والأمن والاقتصاد والرمزية السياسية.
والخطر فيه لا ينبع من كونه ممرًا فقط، بل من قابليته لأن يتحول في لحظات التوتر من جغرافيا عبور إلى أداة ضغط.
وذلك لأن أي اختلالٍ فيه لا ينعكس على الإقليم فحسب، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي، إذ يمر عبر مضيق هرمز نسبةٌ معتبرة من إمدادات الطاقة العالمية، وتتقاطع عنده مصالح التجارة الدولية، بما يجعله أحد أكثر النقاط حساسية في توازن الاقتصاد الدولي.
وفي قراءةٍ تحليلية للسياق، فإن إيران لم تكن الطرف الذي بدأ التصعيد، بل تعرّضت لاعتداء مباشر من الولايات المتحدة وإسرائيل، وعلى ضوء ذلك الاعتداء جاء قرار إغلاق المضيق.
وعليه، لا يُقرأ هذا القرار خارج سياقه، ولا يُقدَّم كفعلٍ منفصل عن مسبباته.
غير أنّ ما يميز اللحظة .. هو كيفية إدارة هذا الانسداد.
وهنا تحرّكت عُمان بهدوءٍ محسوب، مستندةً إلى رصيدٍ من الثقة مع إيران ومصداقيةٍ متراكمة في الإقليم والعالم.
وقد تجلّى ذلك في الاجتماع المباشر بين وزارتي الخارجية العُمانية والإيرانية، حيث جرى ضبط الإشارات، وتخفيف حدّة التوتر، وإعادة فتح قنوات الفهم في لحظةٍ كانت فيها التفسيرات تميل إلى الانغلاق.
لم تتعامل مسقط مع الإغلاق بمنطق المواجهة أو الإدانة، بل قرأته ضمن سياقه السياسي الكامل، وتعاملت معه بوصفه حالةً قابلة للإدارة لا قدرًا مغلقًا.
ومن هذا المدخل، استطاعت سلطنة عُمان أن تفتح مسارات عبورٍ لعددٍ من السفن النفطية والتجارية، لا عبر كسر القرار، بل عبر إعادة ضبط أثره، وذلك ضمن تفاهمٍ منسّق يحفظ السياق القائم ولا يصطدم به.
وهذا هو الفارق الحقيقي.
وهنا يتجلى جوهر الاستراتيجية العُمانية :
تفكيك الأزمات بدل الاصطدام بها،
وإدارة التعقيد بدل إنكاره،
وإعادة توزيع الضغط بما يمنع تراكمه في نقطةٍ واحدة.
ولا ينفصل ذلك عن فهمٍ عُماني لطبيعة الإقليم بوصفه فضاءً لا يحتمل القطيعة المطلقة، حيث تُدار العلاقات ومنها العلاقة مع إيران بمنطق التوازن لا الكسر.
كما تدرك عُمان أن الأزمات لا تُدار بين الدول فقط، بل داخلها أيضًا، ولذلك تتيح لكل طرف أن يهدأ دون أن يبدو خاضعًا، وأن يتراجع دون أن يبدو مهزومًا، في إدارةٍ دقيقة لما يمكن تسميته الكرامة السياسية .
وفي قلب هذا النسق الدقيق، لا يمكن فصل الأداء العُماني عن الرؤية السيادية التي أرساها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، حيث لم تُدار السياسة الخارجية في عهده بوصفها امتدادًا للمواقف، بل كمساحةٍ لإنتاج التوازن حين يختل، وإدارة المسارات حين تتعقد، وحفظ الاتزان حين تتنازعه التأويلات.
وفي الامتداد الطبيعي لهذه الرؤية، يبرز معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، بوصفه أحد أصفى تجليات العقل السياسي والدبلوماسي العُماني والعربي والعالمي، لا كوزير خارجية بل كايقونة سياسية وتمثيلية تجسد مدرسة كاملة في فهم العلاقات الدولية. ففي أدائه، تتحول الدبلوماسية إلى فنٍّ رفيع في قراءة التعقيد، حيث تُدار اللغة كأداة توازن لا أداة صدام، وتُصاغ العبارة بقدرٍ من الدقة يجعلها واضحةً بما يكفي لتؤدي أثرها، ومحسوبةً بما يكفي كي لا تُبدد ما وراءها من احتمالات. إنه حضورٌ لا يقوم على الظهور، بل على الأثر، ولا يعلو بالصوت، بل يرسخ بالمعنى
وهكذا، تتشكل الحالة العُمانية كنموذجٍ نادر في إدارة الأزمات، لا باعتبارها وقائع تُواجَه، بل بنىً تُفكَّك، ولا كمساراتٍ تُحسَم، بل كتعقيداتٍ يُعاد ترتيبها.
هكذا تُدار الأزمات حين تُقرأ من داخلها لا من ظاهرها، لا باعتبارها وقائع يجب كسرها، بل بنىً يجب تفكيكها. وفي هذا المستوى تحديدًا، لا يظهر النفوذ في لحظة الفعل، بل في القدرة على منع اللحظة من أن تنفلت، في إطارٍ يحفظ الاستقرار ويمنع الانزلاق إلى مواجهاتٍ أوسع.

























