حصريٌّ لـ«الصحوة» – في الطرف الشرقي من ولاية صور بمحافظة جنوب الشرقية، وعلى رأسٍ صخري يطل على امتداد البحر وخور البطح وميناء المدينة القديم، تقف منارة العيجة شامخةً كواحدة من أكثر المعالم العُمانية حضورًا في الذاكرة البحرية والسياحية. فمن يزور صور اليوم لا يمكنه أن يتجاوز هذا البرج الحجري الصامت الذي يبدو للوهلة الأولى معلمًا بسيطًا، لكنه في حقيقته يحمل بين جدرانه حكايةً ممتدة من الملاحة والدفاع والتجارة وحنين البحّارة العائدين إلى الوطن.
وتُعد منارة العيجة، أو كما يعرفها البعض بـ”منارة صور” و”برج رأس الميل”، من أقدم الشواهد الساحلية الباقية في سلطنة عُمان، إذ يرجع تاريخ تشييدها إلى القرن السادس عشر الميلادي خلال فترة الوجود البرتغالي على السواحل العُمانية، حين اتجه البرتغاليون إلى بناء أبراج مراقبة وحصون في المواقع البحرية الحيوية لتأمين نفوذهم التجاري والعسكري في المنطقة. ولم يكن اختيار العيجة اعتباطيًا؛ فولاية صور كانت آنذاك أحد أهم الموانئ النشطة على بحر العرب، ومحطة رئيسية للسفن التجارية المنطلقة بين الخليج والهند وشرق أفريقيا، فضلًا عن شهرتها التاريخية في صناعة السفن الخشبية.
ومن هنا، شُيّد هذا البرج في موضع استراتيجي يتيح مراقبة البحر المفتوح ومدخل خور صور وحركة السفن القادمة والمغادرة. وتشير المعطيات التاريخية إلى أن البناء لم يكن منارة بحرية في بدايته كما يظن كثيرون، بل كان برجًا دفاعيًا للمراقبة والإنذار المبكر، تُرصد من أعلاه التحركات البحرية وتُتابع أي تهديدات محتملة قد تقترب من المدينة الساحلية.
ومع انحسار الاستخدام العسكري عبر السنوات، تحوّل البرج تدريجيًا إلى منارة إرشاد بحري تؤدي وظيفة مختلفة ولكنها لا تقل أهمية؛ إذ أصبحت دليلًا بصريًا للسفن العُمانية التقليدية العائدة من رحلاتها الطويلة، خصوصًا سفن “الداو” التي كانت تصل إلى صور قادمة من زنجبار وممباسا والهند والبصرة وموانئ الخليج. ففي زمن لم تكن فيه أجهزة الملاحة الحديثة ولا الخرائط الإلكترونية، كانت المنارات والمعالم الساحلية المرتفعة تمثل لغة البحر الوحيدة التي يهتدي بها الربابنة، وكانت منارة العيجة من أولى العلامات التي تُبصرها عيون البحّارة عند الاقتراب من مدخل صور.
ولهذا ارتبطت المنارة ارتباطًا وثيقًا بتاريخ الولاية البحري؛ فصور لم تكن مجرد مدينة ساحلية، بل كانت واحدة من أشهر الحواضر العُمانية التي صنعت مجدها من الخشب والشراع والرحلات البعيدة. ومن أحواضها خرجت سفن التجارة، وإلى مرافئها عادت محمّلة بالبضائع والقصص، وكانت منارة العيجة تقف على الضفة الأخرى كأنها عين المدينة التي تترقب أبناءها في البحر. ولذلك فإن الحديث عن المنارة لا ينفصل عن الحديث عن حوض صناعة السفن، وخور البطح، والميناء القديم، وحصن العيجة، في منظومة بحرية متكاملة شكّلت هوية صور عبر القرون.
وعماريًا، تحتفظ المنارة بسمات البناء الساحلي القديم؛ فقد شُيدت من الصخور البحرية والحجارة المحلية الصلبة القادرة على مقاومة الرطوبة والملوحة والرياح الشديدة، فيما جاء تصميمها على هيئة برج مرتفع ذي قاعدة متينة وفتحات للرصد، وهو طراز ينسجم مع الأبراج الدفاعية البرتغالية المنتشرة على السواحل. كما أن موقعها المرتفع فوق نتوء صخري مكشوف منحها قدرةً على رؤية بحرية واسعة، وهو ما كان ضروريًا سواء في زمن المراقبة العسكرية أو لاحقًا في زمن الإرشاد الملاحي.
وسُمّيت المنارة بهذا الاسم نسبةً إلى منطقة العيجة، وهي الحي البحري التاريخي المقابل لمدينة صور عبر خور البطح، والذي عرف قديمًا بكونه بوابة البحر الشرقية للولاية وموضع رسو السفن التقليدية، ما جعل اسم المكان يلتصق بالمعلم حتى اليوم.
وفي الزمن الحاضر، لم تعد منارة العيجة تؤدي وظيفتها البحرية القديمة فحسب، بل تحولت إلى واحد من أهم المقاصد السياحية في محافظة جنوب الشرقية. فمن أعلى الموقع تتكشف للزائر لوحة بانورامية نادرة تجمع بين زرقة الخليج، وانحناءة الخور، والجسر الرابط بين ضفتي صور، وأحواض صناعة السفن، والبيوت القديمة الممتدة على الساحل. ولهذا أصبحت المنارة محطةً ثابتة للسياح والمصورين، وأحد أكثر المشاهد حضورًا في المواد الترويجية والصور التي تُعرّف بالولاية.
غير أن قيمة هذا المعلم لا تكمن في منظره فحسب، بل في رمزيته العميقة لدى أبناء صور والبحّارة العُمانيين عمومًا؛ إذ مثّل ظهورها من بعيد بالنسبة للعائدين من عرض البحر علامة أمان واقتراب من الديار. كانت أول ما تستقبله الأعين بعد أسابيع وربما أشهر من الرحلات البحرية، ولهذا ارتبطت في الوجدان الشعبي بمعاني الوصول والنجاة والحنين.
ومن هنا، يمكن القول إن منارة العيجة ليست مجرد برج حجري يقف على طرف البحر، بل هي وثيقة قائمة من تاريخ الملاحة العُمانية، وشاهد حي على زمن كانت فيه مدينة صور واحدة من المدن التي فتحت أشرعتها على العالم. بناها الغزاة يومًا ليراقبوا البحر، ثم تحولت مع الزمن إلى دليل نجاة للسفن العُمانية، وبقيت اليوم حارسًا لذاكرة المكان، تستقبل الزوار كما كانت تستقبل البحّارة منذ قرون.
وبين قيمتها التاريخية والعسكرية والبحرية والسياحية، تستمر منارة العيجة في أداء دور آخر أكثر عمقًا: أن تُذكّر كل من يمر بها بأن البحر لم يكن يومًا هامشًا في حياة العُمانيين، بل كان طريقهم إلى العالم، وكانت هذه المنارة إحدى العلامات التي حفظت لذلك الطريق ملامحه حتى اليوم.



























