الصحوة – علي الحداد
حين تدخل المنطقة طورًا حادًا من الصراع، لا تبقى الأنظار متجهة إلى نتائج الميدان وحدها، بل إلى ما تكشفه الأزمة عن القيمة السياسية الفعلية للدول. أيُّها احتفظ بقدرته على التأثير تحت الضغط، وأيُّها بدا أكبر في أوقات الاستقرار مما هو عليه حين تُختبر التوازنات فعلًا. فبعض الدول تُربكها الأزمات لأنها تكتشف متأخرة أن حضورها كان قائمًا على الاستقرار لا على قدرتها الحقيقية على التأثير.
ولهذا، فإن المواجهة التي دفعت الخليج والشرق الأوسط إلى واحدة من أكثر مراحلهما حساسية لا يمكن النظر إليها بوصفها نزاعًا عسكريًا أو جولة ضغط متبادل بين خصوم تقليديين، بقدر ما تبدو اختبارًا واسعًا لشكل الإقليم الذي سيتكوّن بعد انتهاء المواجهة. فالقضية لم تعد مرتبطة بكيفية إيقاف التصعيد وحدها، إنما بما سيقود إليه من إعادة ترتيب في موازين التأثير، وطبيعة العلاقات الإقليمية، والصيغة التي سيُعاد على أساسها تعريف الأمن والمصالح وحدود الحركة السياسية في المنطقة.
وفي مثل هذه الظروف، لا تحتفظ الدول بمكانتها عبر الاندفاع أو الاصطفاف الحاد، بل عبر قدرتها على تجنّب الاستنزاف السياسي مع الاحتفاظ بهامش حركة يسمح لها بالبقاء جزءًا من التوازن لا عبئًا عليه. ولهذا تحديدًا، تبدو بعض الدول بعد الأزمات أكثر حضورًا في الحسابات الإقليمية، ليس لأنها غيّرت مواقعها بصورة مفاجئة، بل لأن التطورات المتسارعة أعادت إظهار قيمة السياسات التي بُنيت على الاتزان، واستيعاب تعقيدات الجغرافيا السياسية، والقدرة على إدارة العلاقات دون التفريط بالاستقلال السياسي.
ومن هذه الزاوية، تبدو سلطنة عُمان واحدة من الدول المرشحة لتعزيز موقعها السياسي في البيئة الإقليمية التي تتشكل تدريجيًا بعد المواجهة. فخلال السنوات الماضية، حافظت مسقط على مقاربة مختلفة في إدارة علاقاتها وتحركاتها الخارجية، مقاربة لم تُبنَ على التورط في الاستقطابات الحادة، ولا على تحويل التوترات الإقليمية إلى أدوات نفوذ مؤقتة، بل على بناء مساحة حركة سياسية تجعلها قادرة على التواصل مع الأطراف المختلفة دون أن تفقد وضوح موقعها أو استقلال قرارها.
ومع اتساع التوتر خلال الأزمة الأخيرة، برزت قيمة هذا النهج بصورة أوضح. ففي الوقت الذي اتجهت فيه أطراف عديدة إلى تضييق قنوات الاتصال ورفع مستويات القطيعة السياسية، حافظت سلطنة عُمان على قدرتها في إبقاء مساحات التفاهم قائمة، وهو ما منحها وزنًا يتجاوز الدور التقليدي للوساطة إلى موقع يرتبط باستقرار البيئة الإقليمية نفسها. فالدول التي تستطيع الحفاظ على قدر من التواصل في ذروة التصعيد، تصبح مع الوقت جزءًا من البنية التي يُعاد عبرها تنظيم العلاقات بعد انتهاء الأزمات.
ولا يرتبط ذلك بالسياسة وحدها، بل أيضًا بالموقع الجيوسياسي الذي أعادت الأزمة إظهار أهميته على مستوى الاقتصاد الدولي وأمن الطاقة والملاحة البحرية. فمع عودة مضيق هرمز إلى صدارة الحسابات الدولية، برزت عُمان بوصفها طرفًا لا يمكن تجاوز حضوره في أي نقاش يتعلق باستقرار هذا الممر الحيوي أو مستقبل الترتيبات المرتبطة به. غير أن أهمية عُمان هنا لا تنبع من الجغرافيا وحدها، بل من اقتران هذا الموقع الحساس بسياسة خارجية اتسمت بدرجة عالية من الانضباط والقدرة على التعامل مع الحسابات الدقيقة دون انفعال أو مغامرة.
كما أعادت المواجهة توجيه الانتباه إلى المزايا التي تمتلكها عُمان خارج إطار الأدوار السياسية التقليدية. فالموانئ العُمانية الممتدة خارج نطاق المضيق، والبنية اللوجستية المتنامية، والاستقرار الداخلي، جميعها عوامل تزداد قيمتها في بيئة أصبحت أكثر حساسية تجاه أمن الإمدادات وحركة التجارة والاستثمارات طويلة الأمد. وبعض عناصر القوة لا تبدو مؤثرة في أوقات الاستقرار، لكنها تتحول إلى أصول استراتيجية نادرة حين تدخل المنطقة مرحلة اختبار حقيقي.
ويزداد أثر ذلك مع خصوصية الحالة الداخلية العُمانية، إذ نجحت مسقط عبر عقود في بناء قدر مرتفع من التماسك الوطني، قائم على استقرار مؤسسات الدولة، ووضوح الهوية السياسية، وغياب الانقسامات الحادة التي أضعفت كثيرًا من دول المنطقة خلال الأزمات الكبرى. وهذا التماسك لا يمثل عاملًا داخليًا فحسب، إنما يتحول في البيئات الإقليمية المعقدة إلى عنصر قوة يرفع من قدرة الدولة على الحركة بثبات، ويحمي قرارها الخارجي من الضغوط التي تُنتجها لحظات الاستقطاب.
ولهذا، فإن القيمة المتصاعدة لعُمان بعد هذه المواجهة لا تبدو مرتبطة بمتغير فرضته الحرب بقدر ما تبدو نتيجة لمسار طويل من بناء التوازن والاحتفاظ باستقلال القرار وتجنب الاستنزاف السياسي في منطقة شديدة التقلب. فبعض الدول تتسع أدوارها مؤقتًا مع الأزمات ثم تتراجع بانتهائها، بينما تزداد أهمية دول أخرى لأن التطورات نفسها تعيد اكتشاف الحاجة إلى وجودها داخل معادلات الإقليم واستقراره.
وقد يكون هذا أحد أهم التحولات التي كشفتها المواجهة الأخيرة، إذ لم يعد الحضور الإقليمي يُقاس فقط بقدرة الدول على فرض مواقفها أو توسيع نطاق نفوذها المباشر، بل أيضًا بقدرتها على البقاء عنصرًا يمكن التعاطي معه بثقة داخل بيئة تتراجع فيها الثقة بسرعة. وفي هذا النوع من البيئات، ترتفع قيمة الدول التي تحافظ على اتزانها السياسي، وتُبقي لنفسها مساحة حركة مستقلة، وتتجنب التحول إلى طرف مستهلك بالكامل داخل صراعات مفتوحة لا تملك التحكم بمآلاتها.
ولعل ما يمنح التجربة العُمانية خصوصيتها في هذا التوقيت أن حضورها الإقليمي لم يتأسس على منطق التفوق الحاد أو البحث عن أدوار تتجاوز طبيعة الدولة وإمكاناتها، بل على فهم متراكم لطبيعة المنطقة وحدودها وتعقيداتها. ولهذا حافظت مسقط على قدرتها في التحرك داخل بيئة مزدحمة بالتناقضات دون أن تفقد توازنها أو تدخل في مسارات تستنزف موقعها على المدى البعيد، وهو ما جعل صورتها السياسية أكثر قابلية للتماسك كلما ازدادت البيئة المحيطة تعقيدًا.
ولعل ما عزز قدرة عُمان على الحفاظ على هذا التوازن خلال السنوات الأخيرة هو وضوح الرؤية السياسية التي تحكم توجهاتها الإقليمية في عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – حيث اتسمت السياسة العُمانية بدرجة عالية من الاتزان والانضباط والقدرة على قراءة التحولات بعيدًا عن الاندفاع أو الحسابات قصيرة المدى. وقد تجسد هذا النهج بوضوح في القيادة الدبلوماسية والسياسية لمعالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية، عبر مقاربة حافظت على استقلال الموقف العُماني، وأبقت مسقط قادرة على التواصل والحركة في واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا في تاريخ المنطقة الحديث.
وفي إقليم يقترب من ترتيبات جديدة ستُبنى على نتائج المواجهة وما كشفته من حدود القوة التقليدية وطبيعة الاعتماد المتبادل بين الأمن والطاقة والتجارة، تبدو الحاجة متزايدة إلى الدول القادرة على الحفاظ على توازنها وإدارة علاقاتها دون أن تفقد استقلال رؤيتها أو استقرارها الداخلي. ولهذا، فإن ما راكمته سلطنة عُمان عبر سنوات من الاتزان السياسي وبناء الثقة وقراءة تعقيدات المنطقة بهدوء، لم يعد يُنظر إليه بوصفه خيارًا مختلفًا في إدارة السياسة فقط، بل كأحد النماذج التي أثبتت قدرتها على الاحتفاظ بقيمتها كلما ازدادت البيئة الإقليمية صعوبة.




























