الصحوة – سعاد الوهيبية
أن نسافر من عُمان إلى طشقند، لأننا نريد أن نختبر أنفسنا في مدينة أخرى، وأن نرى العالم من نافذة جديدة، ففي عُمان، يبدأ الأفق من البحر، حيث كانت السفن تخرج من موانئها وهي تحمل اللبان والنحاس والتمور، لكنها كانت تحمل شيئًا أثمن من البضائع: فضول الإنسان، ذلك الفضول الذي جعل البحّارة العمانيين يثقون بالموج أكثر مما يثق غيرهم باليابسة، ويؤمنون أن وراء كل أفق حكاية تستحق أن تُروى.
أما طشقند، فهي ابنة الطرق لا البحار، مدينة تعلّمت الإصغاء إلى وقع أقدام القوافل، وإلى اللغات التي كانت تختلط في أسواقها، وإلى المسافرين الذين لم يكونوا يأتون حاملين بضائعهم فقط، بل أفكارهم وعلومهم وأديانهم وأسئلتهم أيضًا، كانت المدن في آسيا الوسطى محطاتٍ كبرى على طريق الحرير، حيث لم يكن الحرير هو السلعة الوحيدة، بل كانت المعرفة تنتقل بالسرعة نفسها، وربما أسرع.
لهذا، فإن السفر من عُمان إلى طشقند هو لقاء بين طريقين قديمين؛ طريقٍ عرف البحر حتى صار جزءًا من هويته، وطريقٍ عرف اليابسة حتى حفظ أسماء النجوم التي تهدي القوافل في الليالي الطويلة، أحدهما كان يقرأ الريح، والآخر كان يقرأ الرمل، لكنهما كانا يقرآن الإنسان باللغة نفسها.
وربما لهذا السبب لا يبدو الوصول إلى طشقند غريبًا كما توحي الخريطة؛ فالتاريخ يعرف ما لا تعرفه الخرائط، فالخرائط ترى الحدود، أما التاريخ فيرى الحركة، ويرى التجار الذين مرّوا، والعلماء الذين ارتحلوا، والحجاج الذين عادوا، والرحّالة الذين اكتشفوا أن العالم أوسع من أوطانهم، لكنه لا يكتمل إلا بها.
أن تمشي في شوارع طشقند وأنت قادم من عُمان، هو أن تدرك أن الحضارات لا تتنافس على الجمال، بل تتقاسم طرق الوصول إليه، فهناك قباب في آسيا الوسطى تلمع تحت شمس مختلفة، لكنها تخاطب الروح بالسكينة نفسها التي تمنحها مآذن عُمان البيضاء المطلة على البحر، وهناك أسواق تفوح منها رائحة الخبز والتوابل، فتذكّرك بأن البشر، مهما اختلفت لغاتهم، يجتمعون دائمًا حول الرغيف، وحول الحكاية، وحول الأمل.
السفر الحقيقي لا يضيف إلى جواز سفرك ختمًا جديدًا، بل يضيف إلى روحك مساحة لم تكن تعرف أنها موجودة، وكل مدينة نزورها لا تغيّر العالم، بل تغيّر الطريقة التي ننظر بها إليه، نكتشف أن الاختلاف ليس حاجزًا، بل دعوة للفهم، وأن البعد ليس نقيض القرب، فكم من أماكن بعيدة تشعر فيها أنك تعرفها منذ زمن، وكم من أماكن قريبة لا تجد فيها شيئًا يشبهك.
ولعل أجمل ما في السفر أنه يعلّم الإنسان التواضع، فكلما رأى حضارة أخرى، أدرك أن الجمال لا يحتكر مكانًا، وأن الحكمة لا تتحدث بلهجة واحدة، وأن التاريخ لم يُكتب في مدينة واحدة، بل في آلاف المدن التي آمنت بأن الطريق يستحق أن يُسلك.
لذلك، فإن السفر من عُمان إلى طشقند ليس رحلة بين نقطتين على الخريطة، بل رحلة بين ذاكرتين؛ ذاكرة البحر التي صنعتها عُمان، وذاكرة الطريق التي صنعتها آسيا الوسطى، وحين يلتقي البحر بالطريق، يكتشف المسافر أن العالم، رغم اتساعه، كان دائمًا بيتًا واحدًا، وأن الإنسان، منذ خطوته الأولى، لم يكن يبحث عن مكانٍ جديد بقدر ما كان يبحث عن معنى جديد للحياة.
ولعل أجمل ما يضيف إلى هذه الرحلة اليوم أن الطريق بين المدينتين أصبح أكثر قربًا، فهناك خط مباشر من مسقط إلى طشقند، وكأن المسافة التي قطعتها القوافل قديمًا عبر الأزمنة والطرق، تختصرها الطائرات اليوم في رحلة تحمل معها المعنى نفسه: لقاء حضارتين، وتقارب شعبين، وامتداد حكاية قديمة بلغة العصر.





























