الصحوة – الدكتور سالم بن سلمان الشكلي
عظيمةٌ أنتِ يا عمان ، كعظمة بَرّك وبحرك وجوّك ، وكعظمة كل حبة رمل أو ذرة تراب من ترابك الطاهر ، وكعظمة كل نسمة هواء نتنفّسُها في ظِلك وحماك ، وكعظمة قطرة الماء التي يرتشفها طفل رضيع في المهد تربى وعاش تحت سمائك ، وكعظمة كل حرف تعلّمناه منذ نعمومة أظفارنا حتى صرنا شيوخًا وكهّالاً ، وكعظمة كل خطوة تسابقَت نحو البناء والتشييد والتعمير ، حتى زاحمْتِ دول العالم في رقيّك وتمدنك وتطوّرك ، وطاولْتِ الشمسَ عزةً ومجداً وإشراقاً ومنفعةً ، بفضل الله سبحانه وتعالى .
عظيمةٌ أنتِ يا عمان ، كعظمة كلّ ما خلّفه الأجداد والآباء من إرثٍ عالمي ، يتمثلُ في كنوز العلم والفقه والأدب والشعر والفلك وعلم البحار ، وعلوم اللغة والتفسير ، وكعظمة كل المآثر في هندسة العمارة والتراث والفنون ، في الشهباء التي تحكي من خلال هندسة بنائها وتقسيماتها وعلوّها وموقعها فصولاً من حياة العمانيين في الماضي ، وفي قلعتي الجلالي والميراني وحصن الخندق وحصن بهلاء وقصر جبرين الذي تعكس تداخلات بنائه روعة التصميم وعبقرية الإبداع ، ليظلّ أسطورة خالدة تترجم عشق وحرفيّة العمانيين لفنون الهندسة والمعمار وتماهيهم مع التراث كماض تليد ، زاخر بالأصالة والمجد والعزة والشموخ ، إلى جانب أن قصر جبرين احتضن أول مدرسة للتعليم الرسمي لتكون بمثابة جامعة يتخرج منها العلماء والفقهاء ، تكفّلت الدولة بتخصيص رواتب وسكن وغذاء لطلبة العلم ، فكان أنْ تخرّج من هذه المدرسة كثير من العلماء والفقهاء والأدباء .
عظيمةٌ أنتِ يا عمان ، كعظمة وحدتك الوطنية الموسومة بوسْم ” عمانية ” لتؤكد أصالتَها ، وحدة تجلّت في التفافها حول الإمام ناصر بن مرشد مؤسس الدولة اليعربية ، وكقوة وشجاعة وبسالة قيد الأرض الإمام سيف بن سلطان اليعربي الذي حرر عمان من البرتغاليين وطاردهم في البحر حتى نادته ممباسة مستجيرة به منهم ، فأذّن البحر لصلاة سفنه وبوارجه فاستسلمت ” يسوع ” ونال أهل ممباسة حريتهم ، فأضحى الوسْم العُماني غرّة بيضاء في جبين الدهر ، يخسأُ نورُه سرّاقَ التاريخ ، ومدّعي البطولات ، من حُقراء هذا الزمن .
عظيمةٌ أنتِ يا عمان ، كعظمة القوة البحرية للإمام احمد بن سعيد البوسعيدي قاهر الفرس من عمان ، وشهدت له البصرة بمياهها وبَرها ومآذنها ورجالها ونسائها ؛ عندما خلّصها من سطوة الفرس ، وكعظمة الإمبراطورية العمانية مترامية الاطراف بين آسيا وأفريقيا ، التي أقامها وشيّد أركانها ، ووطّد عروشها السلطان سعيد بن سلطان البوسعيدي ، صاحب ثاني أكبر أسطول بحري على مستوى العالم بعد الأسطول البريطاني ، وهو أول حاكم عربي بعث بسفير للولايات المتحدة الأمريكية ، بَكَتْ عليه عمان وأفريقيا عندما وافته المنية ، ونعتْهُ دول العالم كلها لأنه كان رجلاً عظيماً ، ولا عظمة بدون شجاعة ، اكتملت الرجولةُ فيه بكل معانيها .
عظيمةٌ أنتِ يا عمان ، كعظمة ذلك الجندي العماني الذي يمسك ببندقيته بين يديه ويحمل روحه على راحتَيه ، يرابط على حدود الوطن ، يذود عن حياضه ، ويصدّ كيد المعتدين ، ويحبط نوايا وخبث الحاقدين ، عقيدته الإيمانية : ” حياة كريمة في وطن آمن ، أو الشهادة ” ، ويصدق فيهم قول شاعر تونس العظيم : “فإما حياةٌ تسُر الصديقَ ، وإما مماتٌ يُغيظ العدا” ، هو جنديٌّ عُماني تربى على حب عمان ، لا تُخيفه الأهوال ، جبلٌ لا تهزّه الريح ولا العواصف ، ولا تتحرك شعرة من رأسه مهما كانت قوة العدو – إن وُجد – درِبَ جبالَ عمان وصحاريها وبحارها ، واستلهم منها الجلَد والصبر وقوة التحمل والشجاعة والإقدام .
عظيمةٌ أنتِ يا عمان ، كعظمة ذلك الشرطي العماني الذي يجوب الشوارع في الظهيرة ، وقد لفحت الشمس وجهه ليفك اختناق المرور في نقطة معينة ، أو لينقذ مصاباً في حادث أليم ، أو ليقبض على مجرم روّع الناس حياتهم أو أعراضهم أو أموالهم ، أو ذلك الشرطي الساهر في مياهنا الإقليمية ليمنع المتسلّلين او المهربين ، كي يعيش المواطن والمقيم على هذه الأرض الطيبة آمناً من كل المخاطر ، قريرةً عينُه ، ينامُ هانئاً مطمئناً .
نعم ، عظيمةٌ أنتِ يا عمان ، كعظمة جمالِ كل شئ فيكِ ، وكلّ شيء فيك جميل ، عظيمةٌ كجمال قلوب شعبك ، وطيبة معشره ، وسمو خلقه ، وحبه للخير ، وتمسّكه بقيَمه الدينية والأخلاقية والثقافية والاجتماعية ، رغم مغريات المدنية التي أغْرَت كثيراً من الأمم والشعوب ، للانسلاخ من تلك القيم ، من منطلق فهمهم العقيم للتطور والتقدم .




























