الصحوة – نورة بنت سيف المالكي
(حتى المدرسة التي التحقت بها كانت كفيلة بتذكيرنا بأننا وافدون، فهي مدرسة خيرية للوافدين، لأمثالنا الذين تكون ظروفهم المعيشية صعبة، فلا يستطيع آباؤهم إلحاقهم بالمدارس الخاصة التي تكلف مبالغ باهظة، المبلغ يتضاعف، كلما ارتقى في مقاعد الدراسة، أما المدارس الحكومية المجانية فقد كانت مخصصة لأبناء هذا البلد…)
يتردد على بيوتنا، مثل عادة بائعي الملابس – الهندي عمر- الذي يكبر أبي بسنوات عديدة، حيث يقترب من الكهولة كثيرًا، لكنه بقوة المكافح ما زال يكابد الغربة من أجل أن يعيش أسرته في وطنه بكرامة. قال لي مرة بينما شاهدني أذاكر في حوش بيتنا، وكنت يومها في المرحلة الجامعية: “هل تدرسين؟” أجبت: نعم، في الجامعة” قال باعتزاز الأب المكافح: ” أنا أيضًا لي ولد يدرس بالجامعة في بلادي، وأصرف عليه شهريًّا مما أجده من مصروفي هنا” كان ينظر إلي ربما نظرة المشتاق إلى أولاده وربما يحلل الفارق بيني (المتنعمة في وطني) وبينه (المغترب المكابد) وابنه المنتظر لمال أبيه من أجل أن يتنعم بالكرامة دون الحاجة إلى السؤال أو التسول.
هذه المفارقات التي ظهرت جليًّا في دفاتر فارهو، إذ استطاعت الكاتبة العمانية “ليلى البلوشي” أن تكثف من معنى (الألم) الذي يتزايد مع كل صفحة تحكي عن الأقدار التي حلت ب”فارهو وأسرته”، بل بكل لاجئ أو مغترب كان يختبئ تحت قصة “فارهو أو فارح” مثلما هو في الرواية والذي يقول: (وحتى تستطيع أن ترى المرآة واضحة قبل تشظيها، لا بد لي من إنهاء الحديث في هذا الأمر، الدفاتر ليست حياتي فقط أو معاناة أمي وأختي، الدفاتر هي تلخيص لأحوال اللاجئين)، وفي كل مرة تتكاثر الدفاتر، كلما تنامت الهوة بين الغربة والوطن.
(أجمع العلب في أشولة أو أراكمها في صناديق البطاطس الفارغة التي أجدها مرمية في البقالة. انتشرت هذه التجارة بين معظم الطلبة الذين عرفتهم فيما بعد في المدرسة، يجمعونها بلا علم أهاليهم، وبعلمهم أيضا، يحصلون على مبلغ لكل كيس العلب حسب وزنه…)
وأنا أقرأ يوميات أطفال اللاجئين في الرواية، انتقلت بي الذاكرة إلى الأطفال الذين هربوا إلى أوطاننا من ويلات الحروب إلى حرب أكثر بشاعة في أوطاننا، إنه التسول، فمرة يتسول بهم أمهاتهم يطرقون أبواب بيوتنا بحثًا عن مال، أو تراهم يتسولون بمفردهم في شوارعنا أو في أماكن عامة مكتظة بالناس. لا أنسى تلك المرة التي ألهبت قلبي حسرة على طفل في غاية الجمال ويبدو في عمر السابعة أو الثامنة من عمره، جاء إلى سيارتي بعد أن طرق نوافذ سيارات الأخرى، مد يديه إلي وكان يحاول بكلامه أن يقلد الكبار في استعطافنا. اختلطت مشاعري بين حسرة على طفولة وأحلام وبراءة ماتت في الشوارع، وغضب على آباء رخصوا من حياة أبنائهم في سبيل حفنة مال!
(أمي صارت تحمل اسمًا مختلفًا، اسمًا لا صلة له بماضيها السحيق في التعاسة وهواجس الخراب، اسمًا لصيقًا في بلد غريب، اغترب معه وفيه كل شيء حتى هويتها كمسيحية، خضعت للتغيير كليًّا في سبيل حياة أفضل لنا، لي ولأختي “عائشة”، أمي شكلها خالي “منغستو” على الهيئة التي تناسب الأرض الجديدة، على هيئة منافعه لشخصية)
في الشاطئ، رأيت شابتين باذختي الجمال، وكانت التي على جانبي أجمل فعيونها أقرب إلى اللون الرصاصي وشعرها البارز من شيلتها ناعم فاحم السواد، يرتدين العباءة الفضفاضة الموضوعة على الكتف، تخرج منها بنطال للزي البلوشي ثم جاءت اللغة لتؤكد ذلك. لا أعلم لمَ تذكرت وصف الكاتبة في الرواية هذه، حينما حاولت أن تقرب لنا كيف كانت هيئة عائشة وأمها الأثيوبية اللتين فرض عليهما الخال “منغستو” لبس العباءة السوداء والشيلة لتكون مثل بنات أهل البلد على الرغم م مسيحية الأم.. كل ذلك من أجل الحصول على امتيازات هذا البلد التي ضاعت مع الوطن الأصلي!
في الاغتراب، تضيع كل المفاهيم، تفلت الأحلام من يديك، تتصارع مع المفارقات، وتذوب مع الهويات كأنها أنت ولكنك تعرف في نهاية الأمر، أنك مهما أثبت وجودك دفنوك. ليس للغربة عن الوطن مذاقًا سوى الوجع.
(نحن الجوعى، نحن المعدمون، نحن البدون، نعم البدون، بدون أوطان حقيقية، فأوطاننا تبرأت منا).



























