الصحوة – أحمد بن خميس البلوشي
شهدت بدايات القرن الواحد والعشرين الولادة الفعلية للمحكمة الجنائية الدائمة، وقبل ذلك كانت فكرة العدالة الدولية الجنائية مؤقتة، وكان التطبيق العملي للمحاكم المؤقتة لأول مرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وظهور اتجاه لمحاكمة الجرائم الجماعية، فتم انشاء محكمتان خاصتان هما: محكمة نورمبرغ عام ١٩٤٥ والأخرى في طوكيو عام ١٩٤٦، وبعد ذلك تم التوقيع على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من قبل دول عديدة من أجل حماية الإنسان من الممارسات الوحشية، وبالرغم من ذلك ظلت هذه الممارسات مستمرة، حيث أنه بعد ذلك دعت الحاجة لتشكيل محاكم مؤقتة من قبل الأمم المتحدة خاصة ببعض الدول نتيجة النزاعات الأهلية التي حدثت فيها كراوند ويوغسلافيا. ونتيجة للتطورات التي شهدها العالم في ساحة العدالة الدولية كانت الحاجة مُلّحة لوجود محكمة دولية دائمة للتصدي للممارسات العنيفة ضد الإنسانية وللحفاظ على الأمن والسلم الدولي. حيث تم إنشاء محكمة دولية دائمة بتاريخ ١٧ يونيو ١٩٩٨ ، وقد تضمن النظام الأساسي للمحكمة ١٣ باباً، وجاء في ديباجته وفي مادته الأولى نصوصاً توكد على ديمومة المحكمة وحيادها ونزاهتها، وبدأ تاريخ النفاذ في عام ٢٠٠٢ وفقاً للمادة (١٢٦) من النظام. وقد اقتصر اختصاص المحكمة على الجرائم الأشد خطورة وهي: جريمة الإبادة الجماعية، جرائم الحرب، جرائم ضد الإنسانية، جرائم العدوان.
أن فكرة الديمومة تعني أن هذه المحكمة تكون مشكلة وقائمة ولها شخصية مستقلة وثابتة سواءاً وجدت جريمة دولية أم لم توجد، وهي بذلك تشكل دور الرادع والرقيب للمجتمع الدولي والضمير العالمي، وبذلك تصبح وظيفتها ليس فقط محاسبة مرتكبي أفظع الجرائم ضد الإنسانية وإنما الحد أيضاً من هذه الانتهاكات والممارسات، فوجود محكمة جنائية دولية دائمة يجعل الدول أكثر حرصاً على ملاحقة ومحاسبة مجرميها حتى لا يؤول الاختصاص إلى القضاء الجنائي الدولي، ورغم أن فكرة الديمومة للمحكمة الجنائية الدولية يخدم المجتمع الدولي والإنسانية إلا أن هذه الفكرة لاقت العديد من الانتقادات من قبل الدول التي رفضت الانضمام لاتفاقية روما وبعض فقهاء القانون ، وأبرزها: أن وجود محكمة جنائية دولية دائمة لا نفع منه في الوقت الذي لا تقع فيه جرائم جنائية دولية، إذ أن المحكمة عندئذ لن تمارس أعمالها وإنما ستبقى تنتظر وقوع جريمة حتى تمارس أعمالها، وبذلك ستبقى مجرد محكمة راكده إلى أن تقع جريمة دولية، فلا حاجة لوجود هذه المحكمة حيث أن المحاكم المؤقتة عند وجود حرب أكثر جدوى وفعالية من وجود محكمة جنائية دائمة. إلا أن المتمسكين بفكرة الديمومة يجدون أن عدم إنشاء محكمة جنائية دولية دائمة يترتب عليه عدم نزاهة القضاء الجنائي الدولي، وذلك لأن التجربة التطبيقية العملية السابقة للمحاكم المؤقتة اثبتت عدم حيادها حيث أن من يقوم بإنشاء هذه المحاكم هي الدول المنتصرة في الحرب، فهذه المحاكم تكون أكثر ميلاً للدول التي قامت بتشكيلها. فلو كانت هناك محكمة دولية دائمة ستكون أكثر حيادية كونها لا تخضع لأي تأثير خارجي، وبذلك ستقوم بمهامها بشكل نزيه ومستقل، فالحياد والنزاهة والاستقلال ضرورة لأي محكمة في العالم لتحقيق العدالة والأمن وللحد من الجرائم. من جانب آخر عدم الحياد والاستقلال في المحكمة الجنائية الدولية من المحتمل أن يخلق جرائم أخرى أشد خطورة على الإنسانية كما أنه قد يكون سبباً لخلق الحروب على المدى البعيد، الأمر الذي لا يمكن تصور وقوعه في وجود محكمة جنائية دولية مستقلة.
وعليه يمكن القول أن الهدف من إنشاء محكمة جنائية دولية دائمة هو البحث عن الحياد والاستقلال للقضاء الجنائي الدولي بعيداً عن فرض أؤ دولة سلطتها على هذه المحكمة، حيث أن فكرة الاستقلال والحياد لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود محكمة تتصف بصفة الديمومة.




























