الصحوة – الدكتور سالم بن سلمان الشكيلي
عندما ظهرت بعض التغريدات على منصة تويتر حول نية إحدى الشركات الكبيرة في السلطنة ، خصم نسب متفاوتة من رواتب العاملين لديها ، ظننت بأنّ مثل هذا الخبر إشاعة أو مجرد أخبار كاذبة ، أو مجرد تخريصات ساخرة ، وبالتالي فهي غير مؤكدة . وعلاوة على ذلك فإنّ العقل والمنطق وقبلهما القانون لا يجيز مثل هذا التصرف الأحمق ، الذي ينّم عن تسلّط الإدارة العليا في هذه الشركة ، التي تضم آلاف العاملين العمانيين فيها .
واليوم الأحد ، صدقت تلك التخرصات التي لا يقبلها العقل ولا المنطق ولا القانون ، كذبت ظنوني ، وتأكد الخبر بنزول رواتب هؤلاء العاملين في حساباتهم المصرفية ، وقد خصم منها ما ارادت الشركة خصمه ، فقد ابلغني أحد العاملين لديها بخصم ٤٠% من راتبه أي ما يعادل ٣٨٠ ريال عماني، مبلغ بالقطع سيدخله في أزمة معيشية، ولنا أن نتصور مثل هذا الشخص عليه قرض بنكي أو قرض تمويل سيارة أو إلتزامات أخرى، فكم سيبقى من راتبه المخصوم لينفق به على أسرته ، إنها الكارثة – حقاً – حلّت على هؤلاء المغلوب على أمرهم ، وكأنّ عتوّ هذه الشركة وأربابها يقولون : فليذهب القانون والعقل والمنطق إلى مزبلة اللامبالاة ، وكأني بهم يقولون منطقنا وعقلنا وقانوننا هو الأعلى والأقوى والنافذ .
لقد حاولت البحث عن أسباب هذا الخصم ، وعن الذنب الذي اقترفه عامل بسيط في شركة عملاقة حتى يوقع عليه هذا الجزاء القاسي ، وحتى جزاءات الخصم يجب أن يسبقها تحقيق وإجراءات قانونية يثبت من خلالها ارتكاب العامل ذنباً أو خطأً يخالف القانون ، وأي إجراء بالخصم خارج هذا السياق إجراء باطل وغير قانوني بالمطلق .
إن طبيعة العلاقة بين العامل وصاحب العمل يحكمها العقد ، وعلى كل طرف من أطراف العلاقة التزامات متقابلة ، وأول هذا الالتزامات ، على صاحب العمل دفع الأجر ، فالأجر مقابل العمل ، مالم يكن هناك ثبوت إخلال من جانب العامل ، فهل يا ترى كل هؤلاء العاملين ثبت ضدهم إخلال بالتزاماتهم ؟ طبعاً الإجابة التي نعرفها ستكون بالنفي .
ومما لا شك فيه فإنّ القاعدة القانونية الذهبية تقول :- ” العقد شريعة المتعاقدين ” ولم يعد هذا العقد في مفاهيم ومواثيق العمل الدولية من عقود الإذعان ، كما أنّ عصر السُّخرة قد ولى وانقضى منذ أمد بعيد ، ومن هذا المنطلق فإنّ عملية الخصم هذه من جانب هذه الشركة أو أي شركة أخرى غير جائز قانوناً ، بل ويقتضي التعويض المادي والأدبي للعامل ، ومحاسبة الشركة على أفعالها حتى لا تكون سابقة ، تهاوى القانون أمامها ، وتهاون معها ، فيتجرأ غيرها لفعل ما فعلَته ، فعُمان دولة قانون ، وعلى المسؤولين فيها مراجعة أنفسهم وإعادة الحال إلى ما كان عليه حتى تتجنب ما هو أسوأ ، وممّا لا شكّ فيه ، فإن القضاء في حالة رفع دعاوى من قبل العاملين ، سوف ينصفهم ، ويعالج الاختلال ، ويصلح الاعتلال .
وإنني أتوجه إلى معالي الشيخ وزير القوى العاملة ، وهو رجل معروف بشجاعته وحزمه واقفًا مع المواطن والعامل العماني ، وأطالبه بالتدخل السريع بصفته الوظيفية والشخصية للعمل بكل جهده مشكوراً لإعادة حقوق هؤلاء العاملين التي اغتُصبت غصباً دون أي مسوغ قانوني ، حتى لا تتفاقم الأزمة ، والظروف الحالية تستدعي منّا العمل على حلّ الأزمات لا إلى خلْقِها .
إنّ الحكمة من أصحاب القرار في مثل هذا الموقف مطلوبة وبسرعة وحزم وحسم دون النظر لأي اعتبارات أو أسباب واهية لا تجد لها أساساً ولا سنداً ولا عدلاً .
وختاماً أقول :” بأي ذنب أستقطعت رواتب هؤلاء العاملين؟



























