الصحوة – شريفة التوبي
آمنت بأن كل شيء يحدث لي هو خير، حتى تلك الأخطاء البسيطة أو الهفوات التي أرتكبها بحسن نيّة، هي خير، فما من شيء إلا ويقودني لاكتشاف شيء مختبىء، وحينما أتى كورونا كان فزعي كبيراً كغيري، وأنا أرى أقدام الحياة مشلولة والعالم عاجز، ولا أملك من حيلة أمام هذا العجز سوى ارتداء ( كمّامة) لحظة الخروج أو الجلوس في البيت.
نحن في حرب إذن هكذا قلت لنفسي، هناك خلل في هذه الحياة، فما يحدث لا يمكن أن يحدث عبثاً، ومهما كانت المسببات لهذا الوباء، خفّاش أو فأر أو طير أو خنزير، هناك يد إلهية تدير هذا الكون وقدر يسيّره.
بالرغم من هذا العقل البشري المتطور، وهذه الجيوش المسلّحة بكل أنواع الأسلحة وأقواها لقتل الأطفال والأبرياء، وتدمير حياة الشعوب الفقيرة، وهذه الأموال الطائلة التي تستخدم لاختراع الأسلحة القاتلة، وهذه التكنولوجيا العظيمة التي تدار بها أكبر الصفقات بضغطة زر واحدة.. بالرغم من هذا كِلّه يقف العالم عاجزاً أمام فيروس أصاب وقتل الملايين من البشر.
ومع كل الاحتياطات التي تقوم بها الدولة من أجل حماية مواطنيها ورعاياها لكن أعداد الإصابات والوفيات تتزايد. شيء يدعو للقلق ولكن ومع إيماني بذلك الخير المختبىء، بدأت أبحث عن الوجه الآخر لكورونا، فوجدت أني أدين له بالتغيير الذي طرأ على حياتي وأنا في عزلتي البيتية. لقد اقتربت من نفسي، وكنت قد ابتعدت عنها، فتلك اللحظات التي بدت لي لحظات عزلة والتي كنت أقضيها في مكتبي وأنا أكتب أو أقرأ لم تقرّبني من نفسي، بل كانت لحظات مليئة بضجيج الأفكار، ولكن مع الساعات الطويلة في عزلة كورونا بدأت أبحث عن نفسي حتى وجدّتها، ولم يكن ذلك بالأمر السهل، فأصعب ما يمكن معرفته هو معرفة النفس وأصعب ما يمكن الوصول إليه الوصول إلى النفس. لكني وصلت، أو هكذا يُهيّأ لي، وأدركت أن هذه العزلة هي ما أريد وما أشتهى ولا شيء غير ذلك. لقد كنت بحاجة لتلك المسافة ولذلك البُعد الذي يجعلني أقف بالقرب من نفسي متأملة هذه الحياة، فأرى أن المسافة خير والبعد خير والعزلة خير ولعل كورونا خير.
ولعل ما أدين به لكورونا أيضاً، الكتب التي قرأتها خلال هذه الفترة، والكلمات التي كتبتها بمتعة وشغف لم أعشه من قبل. أدين له باكتشافي لنقاط ضعفي التي لم يخبرني عنها الأصدقاء، وبالأقنعة التي سقطت من وجوه كنت أظنها جميلة ومن قلوب كنت أحسبها صادقة ونقية، أدين له بالعدد القليل جداً من الأصدقاء الذين ما زالوا معي رغم قبح المزاج في زمن الوباء. أدين له بمن أصبحوا أقرب رغم البعد، ومن أصبحوا أبعد رغم القرب، أدين له بتلك اللحظة التي أتصل فيها بأبي وأمي طمعاً في دعائهم الصباحي وانتظاراً لكلمة (أمّي) التي يقولانها لي حتى أكاد أنسى اسمي، فأعلم أني خُلقت لأن أكون أمّاً لهما أولاً ولأبنائي ثانياً، وذلك أجمل ما خلقت له. أدين له بذلك الشوق العذب والحنين الشفّاف الذي ينتابني لمن غاب عن عيني من الأصدقاء والأحباب، أدين له بزهدي في شراء ثياب وعطور جديدة، أدين له باكتشافي أن بيتي جنة صغيرة أمام أفخم الفنادق العالمية التي لا تساويه جمالاً ودفئاً، أدين له بالورود ورائحة الياسمين وصوت العصافير التي تزقزق كل صباح في حديقتي الصغيرة، وبذلك الطائر الذي أصبح صديقي فأمسى يزورني كل يوم منتظراً وجبته الشهية من الخبز والحبوب والماء، أدين لكورونا باقترابي من عائلتي ونحن نجلس معاً فنتحدث أو نلعب أو نشاهد فيلماً أو نبتكر أشياء ما كنا نفعلها من قبل.
نعم لقد طال بكورونا المكوث وصار فزعنا أكبر، ولكن يظل الإيمان في قلوبنا واليقين في أرواحنا أن ما يحدث خير، فكل شيء بسبب ولسبب كما يقال، فقط علينا أن ننظر إلى الجانب المشرق في عتمة الحياة، ونكتشف الوجه الآخر الذي غفلنا عن اكتشافه، فلعل الخير كل الخير فيما نظنّه شرّاً.
فيكفي شعوري بالرضا أن أجلس لأكتب في هذه اللحظة وأنا ما زلت بخير، لأني التزمت بما وجب عليّ من واجب الالتزام، ليس من أجل نفسي فقط ولكن من أجل من أحبهم، ولأجل هذا الوطن الذي نرجو له الخير والعافية.



























