أحمد الهنائي
متكئاً على عصىً مزهرةً، تعتلي وجهه دهشةً تشوبها الريبة، التقيتُ به على جادة المنطقة الرمادية بين الموت والحياة، وهو عائد يحمل معه حيرته من العالم الآخر، ملتفعاً بالصمت.. كانت المدة الزمنية القصيرة تضعف كاهلي، فالوقت يجب أن يتوقف لمحاورةٍ خارج حدود المنطق إلا أن الروح تسورها في فضاء الحلم اللذيذ.
كنتُ عائدا من هناك، أشار بجفن عينه نحو كومة الضوء المنبعث، وأكمل: حيث اجتمع الأصدقاء القدامى معي، كل من سبقني هنا، جاء بي مرحبا، تبادلنا أجمل ذكريات الوجع والحب والأمل والتمرد؛ أجل التمرد فما قيمة الحياة إن سايرتها في كل شيء، الجمال فقط قابعٌ في زوايا الصد والممانعة، وفي التجاذب ما يشعل جذوة القلب ويذكي حرارة الضمير، هو في عيني “لعبةً لا تمل”.
على سبيل المناكفة وجدتني أردد: “إذا ماتَ شاعرٌ، انطفأت نجمة، وتخاصمَ حبيبان، وضاعَ خاتم، وأصبحت الدنيا أقلّ”.. هكذا يقول عبدالله ثابت، لكن الحارثي أزاح بعضا من دهشته التي رافقت وجهه، وهو يشيح نظره ناحية باب الحلم: لكني لم أمت، ألم يقل الفيتوري عن نفسه أنا أبعد الشعراء عن الموت؟ فقط كل ما في الأمر ارتقيت هذه الغمامة، لأطوف ب “عينٍ وجناح” في عالم الأرواح، غير مقتصرٍ على “محيط كتمندو” الوحيد، الوقت الآن ينتصر لي، هذه الرحلة الجديدة ستعيد ترتيب “ورشة الماضي”، وستنتشي الروح وهي ترى “قارب الكلمات يرسو”، كلمات ممتدة على عوالم مقبلةٍ من التجلي، في عالمي الجديد لا ستائر تخفي ولا جبال تحجب الرؤية؛ إني أرى “أبعد من زنجبار” وأقرب من همس الرضيع لطيف خياله، الضوء ينتشر في الأفق الطائر، فأي بذخٍ كهذا، وأي حياةٍ كالتي تحيون؟
أنا لا أزال أعشق التجوال، هذه المرة ليس على ظهر “الناقة العمياء”، بل على أجنحة مرفرة بضياء المحبة، تقودها دفق الكلمات وموسيقى الحنين، في تخوم قلوب العاشقين وأفئدة مسقط وبيروت وبغداد وكولونيا وفيتنام والقاهرة وزنجبار، حيث يكتب الشعر قصاصاته الأولى قبل أن يطير بها هدهد الروح إلى أكمام الزهر وعطر النسيم وعرق الكادحين.
قل لهم يا أحمد، أن المرض لم يقهرني البتة، كانت روحي تغرد كل يوم، تتقافز مع حركة الكلمات في مخيلتي، كل شيء عبارة عن كلمات تبني جسور التواصل مع جذور الحياة، لم أتوقف يوما عن الحب والتشاكس والطيران والسباحة ورمي الرمح، ألم أقل لك أن جمال الأشياء في التجاذب؟ هكذا أنا عشت معركةً في داخلي، لا خصم فيها سوى الشعر والترحال ومرارة النزف، وسأعيش في عالمي الآخر على التنعم بوصل من أهوى ساعة أحب.
يبدو أن طارقاً دافئا جعله يغادرني منتشيا، وأنا قافلٌ أردد، رحمك الله يا محمد الحارثي، كنت ولا زلت تكتب سفر البهاء بقلمك الرصاص.



























