الصحوة – سليمة المشرفية
يشكك البعض في إمكانية أن يجمع الإسلام كلمتنا ويلملم شعثنا من جديد والذي يجعله واثقا من شكه هي فكرة أن الدين هو السبب الذي بعثرنا وجعلنا نتنازع فيما بيننا ونبغض بعضنا بعضا،فكيف يستطيع أن يلملمنا اليوم من كان سبب التمزق الذي نعيشه ؟!!!
ولاشك أن هذه خدعة شيطانية انطلت على بعض العقول المسلمة فصدقتها ومافتئت تقترح اقتراحات للوحدة بعيدة كل البعد عن الإسلام ولامانع لديها من أن نكون مجتمعات إشتراكية أو ليبرالية أو علمانية في سبيل تحقيق تآلف ووحدة بعيدا عن فرقة الإسلام التي نعيشها من وجهة نظره!
إن القارئ لتاريخ أمة التوحيد والمتأمل فيه يجد أن الفرق التي نتذابح من أجلها ونقاتل بعضنا بعضا في سبيل نصرتها والذود عنها هي فرق سياسية بحته بعيدة كل البعد عن سعة الدين الذي بنيت على أساسه
نعم إن الإختلافات بين علماء الإسلام في الفروع كان أمر لا بد منه وهو اختلاف مشروع وهو حاصل في زمن الرسول عليه صلوات ربي وسلامه من قبل بعض الصحابة وقد أقرهم رسول الله عليه وبارك اجتهاداتهم ومقولته عليه السلام”لاتصلوا العصر إلا في بني قريظه” واختلاف الصحابه في تفسيرها
هي أشهر من نار على علم في هذا السياق
فمضى على هذا الإختلاف المشروع وأحد دعائم هذا الدين الصحابة والتابعون ومن جاء بعدهم وفي ذلك من الرحمة والسعة والبركة مايطول الحديث فيه ويبقى السؤال ماسر هذا الشقاق والصراع بين المسلمين إن كانت اختلافاتهم الفقهية أمر مرغوب فيه ومحبب إليه وكله يقع تحت مظلة الدين ما اكتملت أدوات الإجتهاد لدى المجتهد؟
السر يكمن أعزائي في الأنظمة السياسية التي تبنت هذا الإختلاف الرحيم لتحوله إلى عذاب وجحيم ..
لقد ابتلي عالمنا الإسلامي -بعد انتهاء الحقبة الراشدة- بأنظمة سياسية قدست هذا الإختلاف وتبنته لصالحها وأوهمت العامة أن كل من كان على خلاف الفرقة التي تنتمي لها والسياسات التي تتبعها هو ضآل وخارجي ومارق عن الدين ومن ثم جاز قتله وسومه أشد العذاب عقوبة لما اقترفه من ضلال وفساد !
إن هذه اللعبة لم تكن هي وحدها في يد تلك الأنظمة وإنما كانت هنالك لعب أخرى أجادت تلك الأنظمة استخدامها على أكمل وجه كلعبة القبائل ونبش أي فتنة جاهلية نائمة بينها والقيسية واليمانية مثالا جيدا على ذلك ولعبة العرق أيضا كان لها كبير الأثر في تحقيق مصالح هذه الأنظمة في سبيل توسيع رقعة مطامعها وقد كان هذا الإجراء منها بمثابة رمي عود ثقاب في كومة من القش إذ ليس هنالك غرابة من استجابة العوام المقلدين لهذه الدعاوي كونهم لايملكون الوعي الكافي للتفريق بين الأصول الإسلامية الواحدة الثابتة وبين فروعه المرنة القابلة للإجتهاد والتغيير …
ولقد وقف العلماء الربانيون عبر التاريخ صفا واحدا في وجه هذا التيار فنجد في سيرهم يجد من أمثال ذلك كثيرا إذ صح عن غير واحد منهم قوله “قولي صحيح يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصحة” كما وموقف الإمام مالك من أحد خلفاء بني العباس حينما أراد تعميم مذهبه في الآفاق شاهد على ذلك وإن كان في تعميم مذهبه رحمه الله شهرة له ونشر لفكره ومع ذلك رفض هذه الفكرة رفضا نهائيا كما قد كانت بينهم -رغم اختلافاتهم الفقهية- من العلاقة الأخوية والمحبة المتأصلة ما يفيض الحديث عنها ويستفيض ولم يكن بينهم غضاضة من أن يتعلم أحدهم من الآخر مما يؤكد ويجزم أن الإسلام بمعانيه السمحه بعيدا كل البعد عن مايروج له أنه هو سبب تفككنا أو أن الفروع الفقهية المختلف فيها هي لعنة مُنيت بها الأمة وأن الأفضل هو الاتفاق على قول واحد يتفق عليه جميع العلماء في الحالتين الأمر غير صحيح ولا ينبغي أن يحدث.
إسلامنا دين عالمي شامل صالح لكل زمان ومكان لذلك وجبت المحافظة عليه والإعتزاز بأصوله وفروعه في أرضية سمحة متفهمة محتوية لكل اختلاف بعيدة عن المنازعات والمهاترات والعصبيات السياسية البحتة التي ما إن حققت أهدافها في التوسع بضرب رقاب بعض المسلمين بأيدي البعض حتى انقلب سحرها عليها ورماها التاريخ في مزبلته إلى الأبد وبقي الإسلام العظيم بأصوله وفروعه شاهدا على أنه “لن يشاق دين الله أحد إلا غلبه”!!!!


























