الصحوة – مصعب بن خميس الشكيلي
عندما جاء الإسلام، كان الناس في ظلمات ظلماء، وجاهلية جهلاء، عمّت الأفراد والمجتمعات، إلا ما ندر من بعض مكارم العرب الأخلاقية، ولسنا هنا بصدد تعداد مظاهر فساد الحياة تلك، فكل ذلك أسهبت كتب التاريخ والسيَر في ذكره، وذلك كان أحد أسباب ظهور الإسلام بالرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، فنشر النور وبدد الظلمات ونشر العدل ودحض الظلم وبدل العادات وغيّر المسميات. فسمّى الفارّ بدينه مهاجرًا، والمقاتل مجاهدًا، والراجع من الذنب تائبًا. عمل ذلك حتى لا يبقى على المسلم من درن الجاهلية ولا من درن المعصية شيء ينافي وينغص حالة السلام النفسي التي يعيشها، ولا أن يذكره بمساوئه. بل وتوسعت دائرة الإسلام في النهي عن تذكير المسلم بذنوبه التي تاب منها، وعمل بعدها صالحًا “إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات” حتى يسهل عليه نسيانها واستبدالها بالصالحات من الأعمال، ويكون اندماجه في المجتمع سلسًا. فبين المنهج في التعامل مع العاصي “أن الإسلام يَجُبُّ ما قبله وأن التوبة تَجُبُّ ما قبلها”. فالانسان بطبيعة الحال لمْ يُجبل على حب المعاصي، واتباع الشهوات؛ وإنما يقع فيها لضعفه وعجزه واتباع الهوى، والمرءُ يولد على الفطرة، لذلك لم يُقَنّط المذنب ولم يطرده، بل ولا يحب أن يذكره بما وقع منه. فها هو المعلم الأعظم (صلوات ربي وسلامه عليه) ينبه الصحابة فيقول في عكرمة ابن أبي جهل:”سيطلع عليكم عكرمة مسلمًا فلا تذكروا أباه أمامه بسوء) حتى لا يسوءه ذلك. بل عندما رآه عقيب الفتح(فتح مكة) قال:”مرحبًا بالراكب المهاجر”.
ولو صبرت نفسك معي أخي القاريء/ أختي القارئة لأذكرن لك مواقف يقف العقل عندها حائراً دهشاً.
فعندما طبق الرسول (صلى الله عليه وسلم) حد الزنا في حق المرأة الغامدية قال:”لقد تابت توبة لو قُسِّمتْ على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم”. وقال بأبي وأمي مدافعًا عن شارب الخمر الذي أُتِيَ به سكرانًا وقد دعى عليه أحد الصحابة بسوء : أخزاك الله، قائلاً :”لا تُعينوا عليه الشيطان”. والأعجب من هذا أنه صلى الله عليه وسلم وضع قاعدة: (أن ارتكاب النهي لا ينفي محبة الله ورسوله) حتى لا تكون ذريعة الناس في نفي الخير عن العاصي وقوعه في الذنب. ففي قصة الرجل الذي كان يضحك رسول الله وقد جيء به مرارًا إلى رسول الله وقد شرب الخمر فيؤمر به ويجلد. وكان مرة قد جيء به فأمر به الرسول فجُلِد فقال رجل من القوم: لعنه الله ما أكثرُ ما يُؤتى به. فقال الحبيب:”لا تلعنوه، فوالله علمت أنه يحب الله ورسوله”.
فواعجبي من مجتمعنا كيف يوصِم العاصي بمعصيته فيكويه بها حتى تصبح علامةً عليه، ولو تاب وأصبح بعدها إمامًا بل حتى لو أصبح عالمًا لقالوا: كيف نسمع له وقد كان كذا وقد فعل كذا.
ألا وإني أخي القارئ/ أختي القارئة أُذكِّر نفسي وإياك بأننا لسنا معصومين من الخطأ، فلا تغرنك صلاتك وعبادتك، فكم من عالِمٍ زلّْ، وكم من صالِحٍ ضلّْ. والقلوب بيد الله يقلبها حيث يشاء. فلننظر للعاصي على أنه ابتُلي فوقع وأننا عوفينا بفضل الله فنجونا ولْنشكر الله على العافية. والسلام



























