الصحوة – الدكتور سالم بن سلمان الشكيلي
باديء ذي بدء، أجد لزاماً عليّ أن أوضح معنى دولة المؤسسات، حتى يسهل على القاريء غير المتخصص فهْم ما نرمي إليه في مقالاتنا، وليكون على دراية بفحوى مضامينها .
يُطلق على دولة ما اسم دولة المؤسسات أو دولة القانون، حينما يكون هناك استقلال حقيقي لسلطة الدولة، ويكون هذا الاستقلال ذو صفة قانونية، وتكون هذه السلطة ذات طابع دستوري وقانوني وغير شخصي، وبمعنى أخر، لا تكون تابعة لأشخاص، وإنما لمؤسسات راسخة البناء، تقوم عليها أنشطة الدولة، وتنحصر مهمة الأفراد أو الأشخاص في هذه الدولة، في القيام بالإشراف على تلك المؤسسات من خلال الخطط الموضوعة التي قامت بوضعها، ولهذا فإنّ المسؤولين عن هذه المؤسسات التي يشرفون عليها، إن هم أحسنوا وأخلصوا العمل فإنما يحسنون ويخلصون لوطنهم ولشعبهم ولأنفسهم، وإن هم أساءوا – لا قدّر الله – فهم يُسيئون لوطنهم وشعبهم ولأنفسهم، ومن هنا فإنه لا يجب إقران أدائهم بهذه المؤسسات، أو إلصاقها بأسماء وشخوص محددة، لأن هذه المؤسسات إنما هي ملك الأمة فقط .
ولقد كان أحد أهمّ أهداف جلالة السلطان قابوس طيّب الله ثراه عندما تولى مقاليد الحكم، بناء دولة المؤسسات القائمة على تكامل البنية التشريعية، وقيام مؤسسات قوية حاكمة، كي تأخذ البلد إلى التطوّر والرقيّ والانفتاح الاقتصادي لإيجاد بيئة سليمة صحية، تستطيع التفاعل مع الأحداث المتلاحقة، وتساير التطوّر الذي ينمو يوماً بعد يوم، إدراكاً من جلالته أنّ الدولة القوية هي التي تقوم على مؤسسات قوية، وتعمل باستمرار على تقويتها وترسيخ هذه القوة، فلا مكان لدولة الفرد، ولا موضع قدم للدكتاتوية، فإن الديكتاتورية أصبحت من مهملات التاريخ البغيض، فلفَظَتها المجتمعات بكل عناصرها وألوانها ومساحيقها التجميلية وكشفت حقيقتها العفنة .
لم يكن الانتقال بعمان من الحالة التي كانت عليها من تمزق وتشرذم ، وانعدام المشاركة الشعبية في الشؤون العامة، وسيطرة الظلم وانتهاك الحريات العامة، وافتقار البنية القانونية والتنظيم الإداري ، مشروعاً سهلاً يًمكن تحقيقه دفعة واحدة من خلال حرق أو تجاوز أو اختزال المراحل، فذلك سيصطدم يقيناً بالمناخ السياسي والاجتماعي للمجتمع العماني السائد وغير المهيّأ أصلاً ، وغير مستعد لعملية التحوّل السريعة غير المحسوبة، واالقائمة على أساس التقليد والاستيرد للأفكار من خارج الحدود.
فطن جلالة السلطان الراحل بعبقريته الفذّة، إلى كل ذلك، وتعامل معها بأساليب أسطوربة وأكثر عبقرية، يمكن تدريسها في أرقى الجامعات.
ووفقاً لفلسفة التدرج في المنهج القابوسي، استلزم بناء دولة مدنية حديثة تعرف بدولة المؤسسات، اعتمادَ سياسة المراحل، التي تتوافق مع خصوصية المجتمع وموروثه الفكري والحضاري، بحيث تخضع كل مرحلة للتقييم والبناء عليها، ليُصار بعد ذلك للانتقال إلى مرحلة أخرى تحمل زخماً أكثر، وجرعات أكثر مواءمة للمرحلة، في خطًى واثقة وموزونة نحو الهدف المنشود الذي حدده جلالته، وهو مهندس وعرّاب النهضة العمانية المجيدة.
ولمّا كان التلازم حتمياً بين المنظومة التشريعية ومؤسسات الدولة لا ينفكان عن بعضهما، ولمّا كانت الدولة العمانية قبل عقد السبعينيات تخلو من أي تنظيم قانوني إلا ماندر من قواعد متناثرة، بالكاد تلامس حاجات يسيرة للغاية، متمثلة في رسائل يتم تداولها بين رجال السلطة آنذاك، توجهت الجهود في البداية إلى إصدار القوانين بحسب الحاجة ومتطلبات كل مرحلة، حتى اكتمل بنيانها ، ثمّ تعاقب تنظيم الجهاز الإداري للدولة سواءً من حيث إنشاء الوزارات أو الهيئات العامة وغيرها من الوحدات الادارية الأخرى، حتى تكامل البناء بكل أركانه، وأصبح يؤدي نشاطه وواجباته في خدمة ورعاية المواطنين والمقيمين على أكمل وجه، من أجل رفاهية الإنسان أينما وُجد على أرض السلطنة، فهو الهدف والغاية والوسيلة أيضاً، فالأوطان لا تُبنى إلا بسواعد أبنائها القادرين علمياً وثقافياً وصحياً، في أن يكونوا الأعمدة الأساسية التي ترتكز عليها خطط التنمية.
أما على مستوى السلطتين التشريعية والقضائية، فقد نالهما ذات التنظيم المؤسساتي الذي سبق وأن تطرقنا إليه في مقال سابق، ولا نحبذ تكرار ذات الحديث حرصاً على وقت القاريء الكريم، ولكن قبل أن أترك هذه النقطة اود التوضيح للبعض ممن يردد احتفاظ جلالة المغفور له السلطان قابوس لمناصب وزير المالية، ووزير الدفاع، ووزير الخارجية، فإننا نؤكد أن هذا الاحتفاظ كان رمزياً، أما من حيث الواقع فقد كان على رأس كل وزارة من هذه الوزارات وزير مسؤول يدير شؤونها ويمارس كافة الاختصاصات.
ومع بداية العهد السعيد لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم أيده الله بتوفيق ونصر من عنده، فقد عمل على تحديث الجهاز الإداري للدولة؛ ليواكب ضرورات المرحلة القادمة التي تشهد تحدياً محلياً وعالمياً، وخاصة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، والأمل معقود أن يتفضل جلالته بتوجيه من مقامه السامي لمراجعة وتدقيق شامل في المنظومة التشريعية، وكذلك في تعزيز دور مجلس عمان، ليكون التطوير شاملاً متوازياً متوازناً .
ولقد عبّر جلالة السلطان هيثم بن طارق المفدى بهذا الخصوص في بيانه التاريخي بقوله : ( إنّ مما نفخر به أنّ المواطنين والمقيمين على أرض عمان العزيزة يعيشون بفضل الله في ظل دولة القانون والمؤسسات، دولة تقوم على مبادئ الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص، قوامها العدل وكرامة الأفراد وحقوقهم وحرياتهم فيها مصانة بما في ذلك حرية التعبير التي كفلها النظام الأساسي للدولة ) .
نعم هذه هي عمان دولة المؤسسات التي نتحدث عنها وكما أراد لها السلطان الراحل والسلطان المجدد أن تكون ، وهي ماضية في طريقها بعزيمة لا تعرف الكلل، وبإرادة لا تستكين للوهن، شامخة قوية كجبالها، عزيزة شهمة كرجالها، واثقة معتزة بقائدها وسلطانها .

























