الصحوة – مصعب بن خميس الشكيلي
معايير الحكم على الأشياء تختلف بحسب من تريد تصنيفه وتضع له مواصفات يمكن أن نطلق عليها معايير يمكن الاستناد إليها لتقييم الشخص أو الشيء، فهناك معايير العدالة، ومعايير الفتوى، ومعايير المتصدر للدعوة وغيرها الكثير .
ومن بين تلك المعايير مفهوم معيار الحكم في الإسلام، وهي كثيرة عظيمة، يصعب الإحاطة بها، وإنما نذكر منها ما قد يجول على الخاطر، ويستذكره العقل القاصر .
ولقد قدمنا في مقال سابق، يحمل نفس العنوان، وقد تحدثنا فيه عما جاء في حديث الرجلين :” ما تقولون في هذا؟ قالوا : رجل من عامة الناس حريّ به إذا خطب ألا يُزوج، وإذا شفع أّلا يُشفع ” الحديث.
والقرآن كلام الله المنزل المعجز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فمن خلاله تستنبط القواعد والمعايير، لا أن توضع له، فهو غني عن البشر، المنزل بالمعايير الكاملة من المتصف بصفات الكمال المطلقة كلها، ما عليك إلا أن تطلق النظر وترجع البصر، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر داهشًا شدِهًا من عِظَمِ القرآن وبلاغته وإعجازه البياني والعلمي ، ثم يرجع هذا البصر هادئًا هانئاً مطمئنًا يزول العجب عنه حالما تتلو “ما فرطنا في الكتاب من شيء”.
جاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم بُعث بالحق نبيًّا إلى قومه، وكانوا يعرفون سيرته ونسبه وأخلاقه، وكانوا يُسمونه الصادقَ الأمينَ. وحتى اللحظة الأخيرة التي سيُعلمهم فيها بنبوته وبعثته كانوا يُزكونه “أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا خلف هذا الجبلِ تريد أن تُغير عليكم. أكنتم مصدقيّّ ؟ قالوا : نعم. ما جرّبنا عليك كذباً “. نعم ما جربنا عليك كذبًا، هكذا قالوا، فما هي إلًا لحظة أن أخبرهم :”فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديدٍ” فانقلبوا عليه وكذبوه، وقاتلوه. جاءهم بما يخالف أهواءهم، فأنكروا عليه وتناسوا ماضيه.
بهذه البعثة اكتسبت الأمةُ خيريّتها “كنتم خير أمةٍ أُخرجت للناس” وأُمرت بأعمال تفعلها حتى تعمّ الخيريةُ “تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله”. الأمر بالمعروف والنهيُ عن المنكرِ والإيمانُ باللهِ. بهذا الوصف جعل القرآن الخيرية لهذه الأمة، وبدون ذلك فلا خيرية لها، وجعل العقدة في الإيمان بالله باعتباره الشرط الأساسي في قبول الأعمال.
إن اقتران قبول الأعمال بالإيمان، يُوجب على المسلم صفات يتّصف بها؛ لينهج المنهج الإسلامي المتكامل. ولهذا كفرت قريشٌ بالإسلام بموجب ما عرفته من لوازم الشهادتين. هم مستعدون للإيمان ببعض والكفر ببعض. ولكن الإسلام ثوبٌ واحدٌ لا يقبل الرقعة ولا التجزئة، وهذه صبغة الله. وهذه الصبغة التي أسبغها على المسلمين تظهر آثارها على المسلم تُعرِّف الناسَ عليه، وبها يُعرف.
إذن، وهو ما نؤكد عليه، أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صفةٌ جعلت الخيرية في الأمة بكل أفرادها، كلٌّ قدْر استطاعته، فهي ليست حكرًا على أحد. ليست للعلماء دون العامة، ، بل هي واجبٌ على الكل. ولكن ليست العبرة بالكم بل بالكيف. إذ كيف ستُقوم بالأمر؟ وكيف سيكون وقْعُهُ على المأمور والمنهي؟ هل سيأتمر وينتهي؟
الاصطباغ بالصبغة التي تمثلتْ في الرسول صلى الله عليه وسلم هي التي فرقت رأيْ قريشٍ، وشتتتْ شمائلهم، بل وصلت إلى ما هو أبعد. خلقت اضطرابًا بين المرء ونفسه مثل ما وقع مع الفاروق رضي الله عنه. فهو يرى صِدْق الدعوة المحمدية، ويرى خطأ قومه فيما يُنكِرون. فوقع اضطرابٌ قادهُ إلى الإسلام. وتلك والله من صفات ذوي الهمّة، هذه الصبغة علمية وعملية أي تصبغ القلب إلى أن تصل إلى الجوارج وفق مُراد الله عزّ وجلّ. فالذي يتصدر مشهد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرِ يجبُ أن يكون مصطبغًا بها؛ حتى يكون لدعوته وَقْعٌ في قلوب الناس. النبي صلى الله عليه وسلم لو كانت سيرتهُ قبل البعثةِ خلافَ ما كان معروفًا عنه، لما تفرقت قريشُ بسببه، ولأجمعوا على تكذيبه، ولما دافع أهله عنه وتحملوا الحصار في الشعب. ولكنه عُرِف عندهم بالصادق الأمين؛ لذلك وقر في قلوبهم الشك، وتفرق شملهم. فإنه كان حريٌّ بنا أن نكون متصفين بأمر الله حتى تكون الدعوة مطابقة للواقع، وحريّ بنا أن نقف موقف قريش فيمن يعمل بخلاف ما يدعو إليه، إذن كيف نصدّر فيما أمرنا الله به من لا يستحقه .
كيف لشارب الخمر أن تُقبل دعوته إلى تحريمها، وكيف للزاني أن تُقبل دعوته إلى غض البصر، وهذا لا يتنافى مع قول الله:”أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم”. ولكني أعتقد أننا في الزمن الذي قال فيه النبي “ص” :” سيأتي على الناس سنواتٌ خدّاعات، يُصدّق فيها الكاذبُ، ويُكذّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن، ويُخوّن فيها الأمينُ، وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافهُ في أمر العامة”.
لعمري إنه لزمن الرويبضةِ. وأي انسياق وانحطاط دَرَكَ له العامةُ حتى يأخذوا بقول التافه والتافهة، ويُصدّرونهم مشاهد الدعوة. فأصبح الكذّاب والنصّاب ومن في شاكلتهم يتحدثون عن الصدق والأمانة في العمل. وأمست السافرة تدعو للاحتشام، وتنصح بعدم التحرش والانسياق خلف الشهوات، وهم الأحرى بأن يأتمروا بما يأمرون به الناسَ وينتهوا عما ينهوا الناس عنه. لكني أرجع وأُلقي اللوم على العامة بأنهم الذين جعلوا الرويبضة والإمّعات مشاهير ودعاة. إذ كيف خسر الناس مروءتهم ولم ينكروا عليهم فعلهم عكس ما يقولون، بل على العكس، تبعوهم وشجّعوهم وصدّروهم مشاهد الدعوة وقدموهم على العلماء وأهل العلم، والله المستعان .



























