الصحوة – محمد بن سعيد القري
منذ أن بدأت تهطل علينا القرارات التي تصدر من مختلف الجهات والشركات الحكومية في مختلف القطاعات، وظهور نجم الدين العام، وأنها مرحلة تتطلب من الجميع تلقيها بل والمساهمة الفاعلة لتخطيها والتي قد تؤتي أكلها على الخير جميعاً إذا ما صبرنا عدة سنوات – وكلما رأيت قرارا تلو قرار لويت عنقي وألفيت راجعا حتى لا أقرأ ما يحتويه، فلا أرغب في أن أزيد نفسي وأن أتحول فجأة من مواطن بسيط يحاول أن يجعل حياته أسهل بدون تعقيدات إلى اقتصادي محنك يرفع ضغطه ويصرخ في وجوه المارة ويحلل ويدخل في متاهات تعويم العملة، وتبعات تخفيض قيمة الريال، والانكماش الاقتصادي المحتمل وغيرها من المصطلحات الاقتصادية ونبش أغوارها وتأويلاتها إضافة إلى السبب والمسبب.
ووبالرغم من ذلك، كلما ذهبت إلى مكان أجدهم يطرقون أبواب الاقتصاد والاستثمار والرواتب ودعم الكهرباء والماء و النفايات وسنوات التقاعد واحتمالية قطع البدلات، والقيمة المضافة وأخبار تتسرب ورسوم قد تأتي تتعلق بالصحة وربما التعليم، ما يجعلني أتشبث بتلابيب العزوف سواء أخطأت أو أصبت في ذلك.
وكثيرا ما أصادف أشخاص وزملاء يحثوني على الكتابة عن مثل هذه الموضوعات بما أن كل العالم الآن يتحدثون ويكتبون ويتداولونها لعل أذن تلقفها وقلب يرأف بحال المتضررين – بحسبهم – كوسيلة ضغط عامة، وأبادرهم أنني في سبات أحاول فيه بقدر الإمكان استجماع ما بقي لي من مخزون نفسي جيد إلى حين ، محاولا بقدر المستطاع المرور مرور الكرام على أي متعلقات بمثل هذه الأخبار مفضلا الذهاب إلى زاويتي المفضلة قريتي أرقب فيها أشجار النخيل المتهالكة وأصوات العصافير المغردة في هذا الصباح البارد مع كوب قهوة أو شاي، تاركا المدينة للمدنيين، وكوب الأسبرسو إلى عشاقه، والاقتصاد وتوابعه للاقتصاديين المحنكين، سواء أخرجونا من المحنة، أو زادوا الطين بلة، مفضلا حفظ لساني وظني السيئ بمن كان لهم الفضل في وصول البلد لهذا الحال. تاركا عرض الحياة الدنيا، وممسكا بما بقي لي من أيام قليلة لعل الله يأخذ أمانته ويغفر لي زلاتي وأخطائي الكثيرة، وأن أعمل لإصلاح حالي أولا في هذه الدنيا التي لا تبقِ على أحد، ولا يدوم على حال لها شان.
وأتخيل أن الكل له هم، ومطالبه وأعذاره، ورؤاه، وتطلعاته، وأولوياته، وتحدياته، فهم الحكومة أنها تحاول تفادي الأزمة بقرارات صعبة على المواطن في الوقت الحالي على الأقل، حتى تتمكن من إخراج البلاد من تبعات قد تكون نتائجها غاية في السوء مستقبلا وعلى الأجيال القادمة. والمواطن البسيط يعدها صعبة وشيء مستغرب أن يكون المساس بدخله هو الملاذ السهل. ومتسائلا، ماذا كانوا يفعلون، وأين الاستثمارات، وتنوع مصادر الدخل التي تحدثوا عنها طوال الأعوام السابقة، وماذا عن خطط الطوارئ؟ ولما لا يحاسب المتسببين بذلك، وأين هم في هذا الوقت الصعب؟
وهم الموظف في أن يشعر بالأمان الوظيفي من أي تبعات، فهو في الشركة يرغب في أن لا يكون ضمن المسرحين أو أن يخفض الحد الأدنى من راتبه الشهري القليل فمن كان لديه الطموح لبناء نفسه وتكوين أسرة وإعالة أسرته، أصبح فجأة عالة فلا فرص ولا سوق يعينه على إيجاد حل، وبين من نجح في إنشاء مشروع وبين من حاول دون جدوى، ولسان حاله يقول، وزرقك ليس ينقصه التأني، وليس يزيد في الرزق العناء، فليس كل من يدخل هذا المجال من الممكن أن ينجح أو يفشل بالضرورة!
وهم الموظف البسيط في الحكومة هو محاولة أن يشعر بالعدل والإنصاف في بيئة تعمها الثقة والسعي نحو الإبداع بعيدا عن الأهواء الشخصية والمحسوبية، ونظام التقاعد والترقيات والخوف من القادم.
وهم الباحث عن عمل الذي قارب عمره العقد الثالث وربما الرابع، بين منتظر لفرصة، وبين من فقد الثقة والأمل، وأمل الله كبير، فيخرج من داره ومن مصيره وكلام الناس ليقترن بمن يشابهه في وضعه، يناجون بعضهم ويحاولون أن يجدوا حلا ولو مؤقتا ينسيهم ويبعث في نفوسهم الراحة من مشقة العوز والطلب متهمين الجميع مجتمعا ومؤسسات مصيرهم غير المعروف. وهو ينظرإلى التعداد السكاني الذي أوضح أن عدد العمانيين حوالى مليونان وسبعمائة فقط، وأن ما نسبته أكثر من ثمانين بالمئة من العاملين في القطاع الخاص هم من الوافدين، خمس عشرة بالمئة منهم في القطاع العام، بينما حوالى ستين ألفا هم من الباحثين عن عمل، متسائلين لو وصل عددنا إلى عشرة ملايين ماذا سيحدث لشبابنا عمود الوطن، وإلى متى سيستمر الانتظار؟
وهم الشركات في أنها تفضل العامل الوافد الذي يعمل أكثر وبراتب أقل ودون أن يكون مزعجا معززا بالكفاءة والخبرة اللازمة ـ بحسب إدعائهم وميولهم، وحسب الإدارة المسيطرة ـ وأن لا تجد نفسها في عداد الشركات التي أفلست، أو التي خسرت بالنسبة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وحتى الكبيرة وبالتالي يزيد عبئها وربما تجد نفسها في وضع لا تحسد عليه حتى تستطيع الاستمرار.
لذلك من الصعب تحمل كل هذه الهموم ـ في هذا الوقت ـ مفضلا عدم الكتابة في مثل هذه الموضوعات؛ وترك الفرصة لمن يعمل من أجل عمان؛ لأن كل همي أن أجد حالي طيبا بعد كل هذا، وكأنها مرحلة وتنجلي قريبا، وأن أعيش في بلد آمن يسير وفقا لمنهج واضح، يسوده الإنصاف والمحاسبة العادلة والمشورة العامة وسيادة العطاء لمختلف شرائح المجتمع وأن إبداء الرأي حق كل مواطن ـ سواء وفق فيه أو لم يوفق. وأن نجد أن الغاية الكبرى التي يشترك فيها الجميع، حكومة وموظفين وشركات وباحثين وأسر، ألا وهو هم الوطن والمواطن والأجيال القادمة.


























