حصريٌّ لـ«الصحوة» – مع بداية أغسطس، وعلى امتداد السواحل العُمانية في الوسطى وجنوب الشرقية وظفار، يتأهب الصيادون لانطلاق موسم “الغترو” — الاسم المحلي للحبار، أحد أهم مواسم الثروة السمكية في البلاد. ومع عودة القوارب محمّلة بالحبار الطازج، يعود الحديث عن ذلك السائل الداكن الذي يطلقه هذا الكائن البحري عند التهديد: “حبر الحبار”، مادة طالما حيّرت الإنسان، من الموروث الشعبي إلى أحدث المختبرات العلمية.
سائل الدفاع.. وأداة الاستشفاء
من الناحية البيولوجية، يُعد حبر الحبار آلية دفاع طبيعية يفرزها الحيوان عندما يشعر بالخطر، إذ يُطلق سحابة سوداء كثيفة في الماء لتشتيت المفترسين والفرار. لكن ما يبدو للوهلة الأولى مجرد وسيلة للتمويه، يخفي خلفه تركيبة كيميائية معقدة جعلته محط اهتمام الباحثين في مجالات الطب الحيوي والتغذية والصيدلة؛ فالحبر يتكون من الميلانين (المادة المسؤولة عن اللون الداكن)، وإنزيمات مثل التيروسيناز، وأحماض أمينية كـالتورين والغلوتاميك، بالإضافة إلى نسبة من البروتينات والمركّبات المخاطية. هذه المكونات مجتمعة تمنح الحبر خصائص متعددة تؤهله لأن يكون أكثر من مجرد إفراز بحري.
بين الموروث والعلاج
لطالما استُخدم حبر الحبار في الطب الشعبي في مناطق عدة من العالم، بما في ذلك آسيا وشبه الجزيرة العربية. فهناك من يعتبره مقويًا للكبد، ومهدئًا للمعدة، ومعززًا للمناعة. كما استُخدم قديمًا في الكتابات الطبية اليونانية والرومانية كعلاج للالتهابات والتقرحات، في وقت لم تكن فيه علوم المختبر قد تكشّفت عن أسراره بعد.
وفي الموروث الشعبي العُماني، يُنظر إلى الحبار — وضمنه الحبر — بوصفه كائنًا ذا فائدة، سواء في التغذية أو الطب التقليدي، حيث كان البعض يستخدمه لعلاج أمراض الجهاز التنفسي أو كمادة مطهرة للجروح وكذلك للكسور.
العلم يفتح الأبواب
في السنوات الأخيرة، شهدت الأوساط البحثية قفزة نوعية في دراسة حبر الحبار، مع صدور عشرات الأوراق العلمية التي توثق فوائده وتشرح آليات عمله؛ ومن أبرز ما توصّلت إليه الدراسات:
– نشاط مضاد للأكسدة: أظهرت تجارب مخبرية أن حبر الحبار يمتلك قدرة كبيرة على مقاومة الجذور الحرة، بفضل الميلانين ومضادات الأكسدة الطبيعية التي يحتويها. إحدى الدراسات المنشورة في مجلة Marine Drugs أشارت إلى فعالية الحبر بنسبة تصل إلى 83٪ في تحييد الجذور الحرة.
– خصائص مضادة للميكروبات: أظهرت تجارب على سلالات بكتيرية مثل E. coli وS. aureus أن مستخلص الحبر قادر على تثبيط نموها، ما يفتح آفاقًا لاستخدامه في تصنيع مضادات حيوية طبيعية.
– نشاط مضاد للسرطان: في دراسات مختبرية على خلايا سرطان الثدي (MCF‑7)، أثبت الحبر فعالية واضحة في تثبيط نمو الخلايا السرطانية، عبر آليات تشمل تحفيز الموت الخلوي المبرمج وتقليل الالتهاب. كما أظهرت الجزيئات النانوية المستخلصة من الحبر قدرة على تقليص حجم الأورام في نماذج حيوانية.
– تعزيز المناعة: توصل باحثون إلى أن مركّبات السكريات المتعددة في الحبر (SIP) تساعد في تحفيز الجهاز المناعي، وزيادة إنتاج خلايا الدم البيضاء، مما يعزز الدفاع الطبيعي للجسم.
– مضاد للالتهابات: أظهرت دراسات مقارنة أن فعالية الحبر في الحد من الالتهاب تقترب من تأثير بعض الأدوية المعروفة مثل الأسبرين، خاصة في حالات الالتهاب المرتبط بالبروتينات.
من البحر إلى المختبر.. ثم إلى المائدة
لا تقتصر أهمية حبر الحبار على الاستخدام الطبي، بل تمتد أيضًا إلى عالم الطهي، حيث يشكل عنصرًا فريدًا في عدد من المطابخ العالمية، خاصة في إيطاليا وإسبانيا واليابان. ويُستخدم الحبر في تحضير أطباق بلون أسود ونكهة “أومامي” مميزة، مثل الباستا السوداء، والحساء البحري، وأرز الريزوتو.
وتُشير تحاليل القيمة الغذائية إلى أن الحبر غني بالبروتين ومنخفض الدهون، كما يحتوي على معادن مفيدة كالكالسيوم والبوتاسيوم والفسفور، ما يجعله إضافة غذائية ذات قيمة.
فرص علمية ومجالات واعدة
في ظل هذا الزخم العلمي، تبرز الحاجة إلى مزيد من الدراسات السريرية البشرية لتأكيد الفوائد التي أظهرتها التجارب المخبرية والحيوانية. كما يفتح الموضوع بابًا أمام الباحثين في سلطنة عُمان لتعميق البحث في هذا المورد البحري المرتبط مباشرة بثقافة البلاد ومواسمها.
ومع بدء موسم صيد الحبار في أغسطس، تبدو الفرصة سانحة للربط بين الميدان والبحث؛ بين ما تخرجه الشباك من البحر، وما يمكن أن تصل إليه أنابيب المختبرات من اكتشافات.
إن حبر الحبار لم يعد مجرّد مادة غامضة تُستخدم في الطهي أو الدفاع، بل بات نافذة على عالم من الإمكانات الطبية والتغذوية. ومع اتساع دائرة الأبحاث، وتزايد الاهتمام العالمي بالمواد الطبيعية، قد يتحوّل “حبر الغترو” في المواسم القادمة إلى عنصر أساسي في صناعات الصحة والغذاء، وبصمة عُمانية في سجل الابتكار البيولوجي.




























