الصحوة : شهد بنت يحيى الشّعيليّة
الإنتاج والتّنافسيّة والتّنمية ثُلاثيّة مُتناغمة، وقضايا تُلامس الواقع الحياتيّ، ففي كلّ مرّةٍ يقف فيها المُستهلك أمام رفوف المحلّات التّجاريّة، تبدأ معركةٌ خفيّة صامتة بين الهويّة الوطنيّة والجاذبيّة للسلعة العالميّة، طارحًا سؤالًا خفيًّا يتكرّر في كلّ مرّة: هل يشتري المُنتج العُمانيّ دعمًا للاقتصاد الوطنيّ أم يوفّر ماله ليشتري المُنتج المُستورد بقيمةٍ أقلّ؟ فجوة الأسعار ومعادلة الجودة لم تعد اليوم مُجرّد عمليّة استهلاكيّة شرائيّة بالقدر الّذي غدت فيه قرارًا استراتيجيًّا مؤثّرًا، هُنا يصبح قرار الشراء نقطة التقاء بين مصلحة الفرد ومصلحة الاقتصاد الوطنيّ، ومنه يتشكّل تيارين يُصارع فيه أحدهما الآخر، بين من يرى “صُنِعَ في عُمان” أولويّة الاختيار داعمًا للاقتصاد الوطنيّ، وبين من يُفضّل سعر المنتج المُستورد توفيرًا لماله، وفيما يلي نستعرض تطلّعات المُستهلك في التيارين والتّحديات الّتي تواجه السوق.
برزَ المُنتج العُمانيّ كهُويّة اقتصاديّة جسّدت رهان الجودة الّذي يكتسب ثقةً مُتزايدة كخيارٍ أوّل للاستهلاك اليوميّ، مدعومًا بعبارة تسويقيّة “صُنِعَ في عُمان”، الأمر الّذي أكسب المُستهلكين ثقةً مُتناهية بجودة المُنتج العُمانيّ، وهذا ما أدّى إلى ظهور تحسُّنًا ملحوظًا في حضوره في الأسواق شهدته السنوات الأخيرة، كما دّفعت ثقة المُستهلك به إلى برزوه كعنصر رئيسيّ في تزايد الطلب المحليّ على المنتجات، وهذا ما يعكس حُسن جودة الإنتاج الوطنيّ وارتفاع وعي المُستهلك بأهميّة دعم الاقتصاد الوطنيّ، ولم يقتصر الأمر على الثّقة فحسب، بل ساهم في ظهور مُبادرات حكوميّة واقتصاديّة وذلك من أجل تعزيز حضور المنتج العُمانيّ في الأسواق العالميّة، فقد سجّلت الصادرات الغير نفطيّة نموًا باهرًا بلغ 7.2%، وهو مؤشّر يوضّح القيمة التّنافسيّة للمنتجات الوطنيّة.
هذا يقودنا لفهم تغيّر نظرة المُستهلك لقيمة المُنتج المحليّ كجودة تستحقّ الثّقة، بعد ظهور مُشكلات الغشّ التجاريّ في كفاءة بعض المُنتجات المستوردة، ومع ذلك تُشكّل فجوة الأسعار تحدّيًا حاضرًا لا يُمكن تجاهله، فقرار المُستهلك في دعم المُنتج الوطنيّ يحكمه مُثلّث الجودة: إذ تُشكّل دافعًا أساسيًّا للعديد مِمّن تعرّضوا للغشّ التجاريّ، بجانبها السّعر: ففي كثير من الأحيان يعكس ارتفاع السّعر ارتفاع جودة التّصنيع، وأخيرًا الولاء الوطنيّ، إذ تلعب الحملات التّرويجيّة تحت شعار “صُنِعَ في عُمان” دورًا كبيرًا في إحساس المُستهلك بانتمائه لأرضه، إلّا أنّ محدوديّة الدّخل والقوّة الشرائيّة وارتفاع مُتطلّبات الحياة، تجعل شريحة من المُجتمع يميلون للمنتج المُستورد بدافع التوفير الماليّ لا سيّما عندما يُشكّل فارق السعر فجوةً كبيرة أو بسبب الصورة المأخوذة عن المُنتج المُستورد، وفي هذا صرّحت فايزة بنت سويلم الكلبانيّة في مقال نشرته على صفحة الرؤية: “لا نُبالغ اليوم إذا قلنا بأنَّ العدد الكبير المسجَّل ضمن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، الكثير منهم يُواجهون تحديا في إيجاد منافذ تسويقية لمنتجاتهم؛ مما أدى لخسارة البعض لأن منتجاتهم متكدسة غير قادرة على إيجاد أو دفع رسوم حجز مساحات لعرضها للبيع…”.
وفي الوجه المُضاد، ورغم تطوّر الصناعة المحليّة إلّا أنّ العولمة الاقتصاديّة تفرض هيمنتها على حوزة كبيرة من رقعة الأسواق، فما تزال المُنتجات المُستوردة تتمتّع بحضور قويّ، وتُعدّ مُنافِسًا شرسًا للمنتج الوطنيّ، إذ تعمل الشركات الغربيّة على تعزيز الارتباط الذهنيّ بين مُنتجاتها والمُستهلك، وذلك عن طريق ربط علاماتها التّجاريّة بالجودة العالية والمكانة الاجتماعيّة (البرستيج) وما تُضفيه من شعور تفرّد وهميّ خاصةً في السّلع الفاخرة عند دول مجلس التعاون الخليجيّ، ومن جهته يرى الخبير الاقتصاديّ شريف فهمي في تعليق صرّحه للجزيرة نت إن: “المُستهلك العربيّ يرى في الغالب أنّ السلع المستوردة هي أجود من تلك المحلية، في حال كانت تصنع محليًّا، وفي بعض الأحيان يميل المزاج الاستهلاكيّ لدى نسبة معتبرة من الشرائح العليا لا سيما في دول مجلس التعاون الخليجي إلى السلع ذات العلامات التجارية لتصنيع السّلع الفاخرة”.
وتلعب التّعريفات الجمركيّة المُنخفضة بجانب قوّة العملات الشرائيّة دورًا كبيرًا في زيادة تدفّق السلع الواردة، وهذا يُهدد ثبات المُنتج المحليّ، الأمر الذّي يضعه في مُنافسة غير متوازنة في بعض الأحيان إذا ما قيست بالجودة الأقلّ والتّكلفة الأرخص. وينجذب المُستهلكين الداعمين للمنتجات المُستوردة لاعتقادهم بتفوّقه النوعيّ، أو الرّغبة في التّباهي والتّميّز لاسيّما بالبراندات العالميّة الفاخرة، كما تُشكّل الأسعار التّنافسيّة مصدر جذب كبديل اقتصاديّ يوفّر المال وذلك مع غلاء المعيشة وتزايد متطلّبات الحياة.
ومن وجهة نظري، أرى أنّ دعم المُنتج الوطنيّ بعيدًا عن تيّار الهُويّة والعاطفة هو المُحرّك الأساسيّ لرفع الناتج المحليّ الإجماليّ للدولة، وتنويع مصادر الدّخل، الأمر الّذي يخدم توجّه عُمان في رؤيتها “عُمان 2040″، إلا أنّ هذا الدّعم لابد أن يأتي مُراعيًا دخل الأفراد وقوتهم الشرائيّة، فاستدامة دعم المُنتج الوطنيّ مُرهونة بموازنة كفتيّ الميزان بين الجودة والسّعر، بجانب هذا يأتي دور المُؤسّسات العُمانيّة في تقديم الحُجج الرادعة والّتي تُفسّر فجوة الأسعار، مع ضرورة تبني استراتيجيّة تسعير واقعيّة تبتعد عن المُبالغة لضمان ثقة المُستهلك ودعمه.
وبناءً على ما سبق، فقد أصبح المُستهلك يعيش بين تيارين جاذبين، قوّة منتجات الأسواق العالميّة بأسعارها التّنافسيّة، وتيّار تُحاول فيه المُنتجات المحليّة إثبات جودتها وحضورها في الأسواق؛ من خلال ثقة المُستهلك الّذي آثر دعم الاقتصاد الوطنيّ، بجانب استمرار ضغوط العولمة الاقتصاديّة وسهولة تدفّق السلع الواردة بفضل انخفاض التّعريفات الجمركيّة. وإنّي أؤكّد على ضرورة دعم المُنتج الوطنيّ كخيار لا غنى عنه لرفع النّاتج المحليّ الإجمالي وتعزيز الاقتصاد في الدّولة شريطة وجود سياسات تُحقّق التّسعير المرن؛ لمُراعاة دخل الأفراد، الّذي يقوم على الموازنة بين الجودة والسّعر إذ لا بدّ من وجود جودة ومواصفات قياسيّة تُبرّر الارتفاع، أو عن طريق تقديم مُنتجات بأسعار في مُتناول الجميع، أو العروض الترويجيّة والخصومات الّتي تنتهجها بعض المؤسّسات.
وفي ظلّ وصول المُنتجات العُمانيّة لأسواق أكثر من 130 دولة، ونموّ الصادرات الغير نفطيّة بنسبة تصل إلى 7.2%، هذا يقود الصناعة الوطنيّة إلى مُنافسة عالميّة ستُساهم بفاعليّة في تحقيق أهداف رؤية “عُمان 2040″، وهذا يقودنا إلى السؤال الكبير: هل سيتحوّل المُنتج العُمانيّ مُستقبلًا من مجرّد خيار ثانويّ إلى خيار يفرض سيادته على صعيد الأسواق العُمانيّة والعالميّة؟



























