الصحوة – سعاد الوهيبية
في زمنٍ تتكاثر فيه المصطلحات وتتبدل فيها المعاني، تبرز دعوة ملحّة لإعادة الاعتبار للكلمة الصادقة، ولتسمية الأشياء بأسمائها دون مواربة أو تزييف، هذه الدعوة ليست مجرد شعار بل موقف فكري وأخلاقي يتبناه كتّاب ومفكرون ومواطنون يسعون إلى كشف الحقيقة وسط ضجيج التجميل اللغوي والتلاعب بالمفاهيم.
أزمة المصطلح: حين تُجمَل الهزيمة وتُزيَّن الأكاذيب
منذ عقود، شهد الخطاب العربي تحولات لغوية خطيرة، حيث باتت الكلمات تُستخدم لتغطية الواقع لا لكشفه، فالهزيمة أصبحت “نكسة”، والاحتلال صار “وجودًا”، والاستسلام يُسوَّق على أنه “حل سلمي”، وهذه الظاهرة ليست بريئة، بل تعكس محاولة منهجية لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، وتوجيه الرأي العام بعيدًا عن جوهر القضايا.
وفي مقال الكاتب عمرو الشاعر “كيف نسمي الأشياء؟”، سلَط الضوء على جذور هذه الأزمة، مشيرًا إلى أن الإنسان الأول بدأ بتسمية الأشياء بناءً على صفاتها المادية، ثم تطورت اللغة لتشمل المجردات والمعاني، لكن التسمية في العصر الحديث أصبحت أداةً للهيمنة، لا للتوصيف.
من يسمي الأشياء بأسمائها؟
في ظل هذا الواقع، يبرز دور المفكر الحر، والكاتب الصادق، والصحفي النزيه، وكل من يرفض الانصياع للخطاب الرسمي المعلّب، فهؤلاء هم من يسمّون الأشياء بأسمائها، ويعيدون للكلمة قوتها وحرارتها، وهم من يقولون “ظلم” بدلًا من “إجراءات أمنية”، و”قمع” بدلًا من “حفاظ على النظام”، و”فساد” بدلًا من “خلل إداري”.
إنهم لا يكتفون بالوصف، بل يطالبون بإعادة تعريف المفاهيم وفقًا للواقع، لا وفقًا للمصالح أو الأهواء، وعلى إثر ذلك، تصبح التسمية فعل مقاومة، وموقفًا أخلاقيًا، لا مجرد اختيار لغوي.
الكلمة كأداة تحرر
في المجتمعات التي تسعى إلى العدالة والشفافية، تصبح تسمية الأشياء بأسمائها ضرورة لا ترفًا، فالكلمة الصادقة تفضح، وتكشف، وتحرّر، وهي السبيل إلى بناء وعي نقدي، وإلى مساءلة السلطة، وإلى إعادة تشكيل العلاقة بين المواطن والخطاب العام.
والصحافة، بوصفها السلطة الرابعة، تتحمل مسؤولية مضاعفة في هذا السياق، إذ أنها ليست مجرد ناقل للأخبار، بل صانع للوعي، ومهندس للغة، وحارس للصدق، وكلما تخلّت عن هذه الأدوار، كلما فقدت شرعيتها وأثرها.
بين التزييف والصدق: معركة مستمرة
في عصر الإعلام الرقمي، حيث تنتشر الأخبار الزائفة والمصطلحات المضللة، تزداد الحاجة إلى من يملك الجرأة على قول الحقيقة، مهما كانت موجعة، فتسمية الأشياء بأسمائها ليست فقط مسألة لغوية، بل معركة وجودية بين التزييف والصدق، بين التجميل والتعرية، بين الخضوع والحرية.
وفي هذا السياق، لا بد من دعم كل من يختار الكلمة الصادقة، ويواجه بها التيار، ويعيد للُغة دورها الطبيعي: أن تكون مرآة للواقع، لا قناعًا له.



























