الصحوة : علي الحداد
في صباح الجمعة، السادس والعشرين من سبتمبر، أشرقت ولاية طاقة بمحافظة ظفار على حدث روحاني وتاريخي بهيج، إذ افتُتح جامع الشيخ مستهيل بن أحمد المعشني، ليشكّل منارةً جديدة للعبادة والعلم، ومعلمًا معماريًا يخلّد العطاء ويجسّد روح الانتماء.
شهد حفل الافتتاح حضورًا رفيعًا كريمًا رعاه صاحب السمو السيد مروان بن تركي بن محمود آل سعيد محافظ ظفار، كما ازدانت ساحات الجامع بجمعٍ غفير من الأهالي، والشيوخ، والمسؤولين، وكبار القادة العسكريين والمدنيين. وأقيمت صلاة الجمعة الأولى تحت قبابه المهيبة، حيث أمّ المصلين فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي، مساعد المفتي العام لسلطنة عمان، الذي ذكّر في خطبته بأن المساجد ليست حجارةً ولا قببًا فحسب، بل منارات يزهر منها النور، ومواطن يجتمع فيها الناس على ذكر الله، وينهلون من معين العلم والخير .
تحفةٌ معمارية تزاوج الأصالة بالحداثة
جاء الجامع صرحًا معماريًا فريدًا، شُيّد على نفقة الشيخ مستهيل بن أحمد المعشني وأبنائه الكرام ، ليكون هديةً خالدة لولايته ومحافظته.
بني على مساحة 9123 مترًا مربعًا، واتسعت أروقته لأكثر من 4600 مصلٍ ومصلية؛ منهم 2888 في المصلى الرئيسي، و275 في مصلى النساء، فيما تستوعب الساحات الخارجية ما يقارب 1712 مصلٍ.
وتتناغم في تفاصيله الزخارف الفارسية والمملوكية مع روح العمارة الإسلامية الحديثة، في انسجامٍ بديعٍ مع اللمسات العُمانية الأصيلة، ليظهر الجامع تحفةً تجمع بين جمال الحاضر وعمق التاريخ. ولضمان استدامته، أُنشئت له أوقاف خاصة، كما يضم سكنًا للإمام والعاملين، ومبنىً مستقلاً مخصصًا لغسل الموتى بكامل تجهيزاته.
مكتبةٌ بحجم الحلم
ولأن العلم قرين العبادة، فقد احتضن الجامع مكتبةً وُصفت بأنها «ذاكرة معرفية» للولاية، بما تحمله من 8000 وعاء معرفي متنوع.
من كتبٍ شرعية وتاريخية، إلى موسوعاتٍ علمية ومجلاتٍ أكاديمية ورسائل جامعية وكتبٍ للأطفال، صُنِّفت جميعها وفق نظام ديوي العشري، وأُديرت عبر نظام آفاق المعرفة المعتمد في أعرق المكتبات.
لم تُنشأ المكتبة لتكون مخزنًا للكتب فحسب، بل لتصبح فضاءً مفتوحًا للطلاب والباحثين والقراء، تُغذي عقولهم وتُعزز شغفهم بالمعرفة، فتغدو بحق منارةً علمية تضاهي في رسالتها الجامعات ومراكز الثقافة.
رسالة الروح والقيم
لم يُشيّد هذا الجامع ليكون جدرانًا تُعانق السماء فحسب، بل ليكون مدرسةً روحية وثقافية، حيث تُقام فيه الحلقات القرآنية، والدروس الدينية، والمحاضرات التوعوية، والأنشطة التي تُعزز قيم الإسلام السامية.
فهو إلى جانب مكانته كبيتٍ من بيوت الله، يُمثل مجلسًا للعلم، ومنبرًا للتنوير، وملتقى للمجتمع، يرسّخ في قلوب أبنائه قيم المحبة والوئام، ويُعزز وعيهم بدورهم في خدمة وطنهم.
صوت الأهالي .. فرحة وفخر
عبّر أبناء ولاية طاقة عن اعتزازهم بهذا المعلم الذي وصفوه بأنه أيقونة حضارية ومعمارية تُضاف إلى رصيد محافظة ظفار التاريخي. وأكدوا أنه سيكون رافدًا للأجيال الصاعدة، وصرحًا يجمع بين العبادة والمعرفة.
ففي قلوبهم، لم يكن الجامع مجرد مبنى من حجر وزخرف، بل هو رمزٌ للهوية، وعنوانٌ للانتماء، ونافذةٌ على آفاقٍ من النور والعلم.
جامع يتجاوز حدود المكان
إن افتتاح جامع الشيخ مستهيل بن أحمد المعشني لم يكن مجرد حدث ديني أو معماري، بل هو ميلادٌ جديد لمعنى الجامع .. مكانٌ تتعانق فيه الأرواح والقلوب، وتلتقي فيه الثقافة بالدين، والعلم بالإيمان، ليُصبح علامة فارقة في مسيرة ولاية طاقة، وهديةً تبقى للأجيال القادمة شاهدة على عطاء مؤسسه وأهله.
وهكذا، يُسجّل جامع الشيخ مستهيل بن أحمد المعشني حضوره لا كحجارة صامتة، بل كـ قصيدة معمارية تتلو على الدنيا آياتٍ من الجمال والخلود، حيث تتماوج مآذنه مع سماء ظفار، لتبقى صوته الروحي، وذاكرته المعرفية، ومنارته الخالدة .


























