الصحوة – علي الحداد
حين تضيق الجغرافيا عن احتمالاتها، وتتكدّس الأزمات فوق خرائط العالم، لا تبقى الدول متساوية في قدرتها على الفعل. فثمّة دول تُجيد إدارة الصدام، وأخرى تُتقن صناعة التوازن. وفي هذا المقام، تحضر سلطنة عُمان بوصفها دولةً راسخة ومتجذرة في اعماق السياسة الدولية، وكقيمةٍ هادئة، وميزانٍ دقيق، وعقلٍ جماعيٍّ يعرف كيف يُمسك بالخيط حين تتشابك العقد.
من هذا الأفق الواسع، تمارس عُمان دورها التاريخي في إدارة الأزمات الإقليمية والعالمية، دورًا إلى حكمةٍ متأنية ترى السياسة فعلَ حماية قبل أن تكون ساحة اختبار. سياسةٌ تُدار بوعيٍ عميق بأن الأزمات الكبرى لا تُواجه بردّات الفعل، بل بإعادة ترتيب المشهد من داخله، وتفكيك توتراته قبل أن تتحوّل إلى وقائع دامغة.
وفي قلب هذا النهج العماني، يبرز معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي بوصفه رجل الدولة الذي يقود الدبلوماسية العُمانية بثباتٍ استثنائي، وعمق رؤية، ودقة توقيت. ليس حضوره طارئًا على المشهد، ولا تحرّكه وليد ظرف، إنما هو امتدادٌ لمدرسةٍ عُمانية راسخة ترى أن إدارة الأزمات فنٌّ استباقي، وأن التوازن حين يُصان في لحظته، يجنّب العالم كلفةً باهظة لاحقًا.
لقد جاءت الاتصالات والمباحثات التي قادها معالي السيد البدر بن حمد البوسعيدي في لحظةٍ دولية شديدة الحساسية بوصفها منظومةً متكاملة لإدارة التوتر، لا سلسلة تحركات منفصلة. منظومة صيغت بعناية، وتحرّكت على مسارات خليجية وعربية ودولية متوازية، هدفها إعادة ضبط الميزان العام، ومنع انزلاق الاختلافات إلى مواجهات مفتوحة. كانت الرسائل محسوبة، واللغة موزونة، والمقاربة شاملة، تُراعي حساسيات الأطراف كافة دون أن تُفرّط في جوهر الموقف.
وفي إحدى أكثر اللحظات دقة، حين تزايدت احتمالات التصعيد وارتفعت منسوبات القلق من انزلاقٍ عسكريٍّ واسع، برز الدور العُماني في مقاربة التطورات المتصلة بجمهورية إيران الإسلامية بوصفه دورًا وقائيًا عالي الاحتراف. قراءة هادئة للمشهد، وتواصلٌ محسوب مع الأطراف المعنية، أسهما في تهدئة المسار، ووقف اندفاعةٍ كانت قابلة للتحوّل إلى مواجهة مفتوحة، في تأكيدٍ جديد على قدرة الدبلوماسية العُمانية على تعطيل منطق القوة حين يوشك أن يتقدّم على منطق العقل.
في الإطار العربي، تحرّك الدور العُماني بروحٍ جامعة تُعيد الاعتبار لفكرة الأمن المشترك، وتؤكد أن استقرار المنطقة لا يُبنى على الغلبة، بل على التلاقي الواعي للمصالح، وعلى خفض التوتر بوصفه مسؤولية سياسية عليا. تنسيقٌ هادئ، وتبادلٌ للرؤى، ومقاربة عقلانية تُغلق أبواب المغامرة، وتفتح مسارات التعقّل في لحظةٍ كانت قابلة للاحتدام.
وعلى المستوى الدولي، اتسع نطاق الحراك ليشمل شركاء أوروبا وقوى التأثير العالمية، في مشهدٍ يعكس الثقة المتراكمة بالدور العُماني وقدرته على مخاطبة الجميع بلغة واحدة، لغة التهدئة، واحترام القانون الدولي، وتغليب الحلول السلمية. لم تكن تلك المباحثات منصات لإبراز المواقف، بل مساحات لإعادة تعريف الأولويات، وتذكير المجتمع الدولي بأن الاستقرار ليس قيمة أخلاقية فحسب، بل مصلحة مشتركة لا بديل عنها.
وتحرّك معالي البدر في فضاءٍ مكتظٍّ بالحسابات المتناقضة، فاختار لغةً لا تُستفَز، ونبرةً لا تُستدرَج، ومسارًا لا يُغلق الأبواب. ومع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، قُدِّمت الرؤية العُمانية بوصفها قراءة دولةٍ تعرف المنطقة من داخلها، وتُحيط بتعقيداتها الاجتماعية والسياسية، وتدرك أن القرار المتسرّع لا يُنتج استقرارًا، بل يفتح طبقاتٍ جديدة من الفوضى. كان التواصل هناك تواصل العارف لا المنفعل، والشريك لا المُملِي، والوسيط الذي يضع أمام الجميع خريطة العواقب قبل خريطة المكاسب.
ما يمنح هذا الدور ثقله الحقيقي أن معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي لا يتعامل مع الأزمات كملفات منفصلة، بل كسياقات مترابطة تحتاج إلى صبرٍ استراتيجي، وتراكمٍ ذكي، وقدرة عالية على الإصغاء قبل اتخاذ القرار. إنه يقود السياسة الخارجية العُمانية بعينٍ على اللحظة، وأخرى على ما بعدها، وثالثة على الإنسان الذي يدفع كلفة كل قرار متعجّل، مؤمنًا بأن أعظم النجاحات هي تلك التي تمنع الأسوأ قبل وقوعه.
وهكذا تتكرّس سلطنة عُمان، عبر هذا الحراك المتزن، كضميرٍ فاعل في النظام الدولي، قادر على تهدئة المشهد حين يضطرب، وإعادة التوازن حين يختل، والإبقاء على مساحات الحوار مفتوحة مهما تعقّدت الظروف. ويغدو “البدر” لقبًا مستحقًا لا مجازيًا، بدر الحكمة والاتزان، وعرّاب السلام العالمي، الذي يُدير أخطر الملفات بثبات الدول العريقة، ويمنح السياسة معناها النبيل حين تُمارَس بعقلٍ راشد وبصيرةٍ نافذة.
ذلك هو الدور الذي يُقاس أثره بما تم احتواؤه من أزمات، وبما أُبعد عن المنطقة من مخاطر، وبالمساحة التي بقيت مفتوحة أمام العالم ليختار التعقّل بدل الاندفاع. ومن هنا، يتجسّد الفخر العُماني بوصفه حقيقة سياسية راسخة .. أن لعُمان حين تتقدّم صوتًا يُصغي إليه العالم، وأن لها رجل دولة إذا تحرّك استقامت الموازين .




























