الصحوة – علي الحداد
لا يحضر يناير في الوعي العُماني شهرًا يُعدّ بالأيام،
بل مقامًا تُستدعى إليه المعاني وقوفًا.
فيه يهدأ الإيقاع، وتستقيم الخطى،
وتعود للأشياء نبرتها الأولى.
كأن الزمن، حين يبلغ يناير، يتجسّد وقارًا،
ويختار أن يمشي على مهلٍ سلطانيّ كريم،
فلا يُخطئ موضع القدم،
ولا يُزاحم اللحظة على تمامها.
في شتائه، لا يرتجف الوطن، بل يطمئن.
ولا تنكمش الدلالات، بل تترسّخ.
شتاءُ يناير ليس بردًا يُقاس بدرجاته،
بل سكينة تُقاس بعمقها؛
سكينة تعيد ترتيب الداخل
قبل أن تُرى على السطح،
وتمنح اللحظة حقّها في أن تكون كما هي:
واثقة، صافية، ممتلئة.
في الحادي عشر من يناير،
تولّى السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم.
لم يكن المشهد انتقال سلطة،
بل انتقال أمانة؛
أمانة تُحمَل بالوقار،
وتُدار بالحكمة،
وتُصان بثقل المسؤولية.
سادت سكينة تشبه اليقين، من غير استعراض.
كأن الوطن بأسره قال في صمته:
هنا تتقدّم البصيرة،
ويُدار الأمر بعقلٍ مطمئن وقلبٍ واثق.
وفي ذلك اليوم، اكتملت البيعة على هيئة نادرة.
بايعت الأسرة المالكة بوعي الامتداد ومسؤولية التاريخ،
وبايع الشعب بصدق الانتماء وطمأنينة الثقة.
ثم اتّسعت الدائرة؛
مدّت الأرض كفّها،
وأمال البحر موجته،
وأنصتت الجبال بخشوع،
وهمست الرمال باسم القائد.
كانت بيعةً تسكن الوجدان قبل أن تُدوَّن،
وتستقرّ في المعنى قبل أن تُعلن،
توافقًا صامتًا بين الإنسان والمكان،
بين الذاكرة والجغرافيا.
ومنذها بدا يناير وكأنه انحنى إجلالًا؛
لا انحناء ضعف،
بل انحناء احترام.
خفّت قسوة الشتاء،
وصار فصلًا للترسيخ لا للانكماش،
وللتثبيت لا للانتظار.
شتاءٌ يعيد ترتيب الأساس،
ويهيّئ الأشياء لتقف على اتزانها،
كما تفعل الحكمة
حين تتقدّم في صمتٍ كريم.
تقدّم العمل بعدها كما تتقدّم الأشياء العميقة:
بلا استعجال، وبلا جلبة.
استقامت المؤسسية نَفَسًا يوميًّا،
وانتظم الإيقاع
حتى صار الانضباط خُلُقًا عامًا.
لم تُعلن المنجزات بصوتٍ عالٍ،
لكنها ظهرت في انتظام التفاصيل،
وفي شعور المواطن بأن دولته تمسك زمامها بثبات،
وتعرف كيف تُدير شؤونها دون ارتباك.
هكذا تُقاس الإنجازات حين تكون حقيقية:
بما يرسخ، لا بما يلمع.
على أرض الواقع،
أخذت الحياة اليومية شكلها المتزن:
خدمات تُدار بعقل،
ومسارات تتضح،
ومعايير تُحترم لأنها عادلة.
تحوّلات دقيقة، صامتة الأثر،
لكنها متماسكة البنيان؛
تشبه العمل المتقن
الذي لا يلفت النظر ببريقه،
لكنه يُمسك البناء من أعمدته.
وحين انحنى يناير، تبعته الفصول.
كل فصلٍ قدّم بيعته بلغته الخاصة:
جاء الربيع بخضرته المتأنّية،
يبايع بالنموّ الذي يعرف أوانه،
وبالأمل الذي لا يستعجل اكتماله.
وأقبل الصيف بقوّته،
لكنّه بقي في ميزانها:
عزمٌ منضبط،
وحزمٌ يعرف حدوده.
ثم حضر الخريف بوقاره،
فصل المراجعة الرصينة،
وقطف الثمار دون ادّعاء،
يبايع بالحكمة
التي تُصحّح دون أن تنقض.
وحين عاد الشتاء،
عاد يناير في قلبه،
كأن الدائرة اكتملت،
وكأن الأزمنة أقرت
بأن القيادة المتزنة
تجعل التعاقب طبيعيًا،
بلا اضطراب ولا وجل.
وفي هذا المقام،
يتجلّى الولاء في أنقى صوره:
وعيًا يعمل،
ومسؤولية تُنجز.
ولاءٌ يجعل من السلطان ميزانًا للقيم،
وبوصلةً للضمير الجمعي،
ويجعل من الوطن أمانة
تُحمَل في السلوك اليومي
قبل أن تُرفع في الشعارات.
أمّا الانتماء،
فهو أن تسكن عُمان القرار قبل العبارة،
والعمل قبل القول،
وأن يبقى الوطن حاضرًا
في أدقّ التفاصيل
كما تحضر القيم الكبرى.
وهكذا يبقى يناير في عُمان أكثر من شهر،
ويبقى الحادي عشر منه أكثر من ذكرى.
إنه شتاءٌ
تعلّم فيه الزمن
كيف يلين دون أن ينكسر،
وكيف ينحني
دون أن يفقد وقاره.
ويومٌ قالت فيه البلاد، بكل ما فيها ومن فيها:
نمضي معك، أيها السلطانُ المعظَّم،
لأن الطريق حين يُمسَك ببصيرة لا يتيه،
ولأن الدولة، حين تُقاد بطمأنينة،
تعرف كيف تصل
دون أن تُثقِل خطاها
أو تُبدّد وجهتها.



























