الصحوة – علي الحداد
لا تُقاس الدول الراسخة بما تقوله عن ذاتها، بل بما تُجسّده في سلوكها العام حين تتغيّر الظروف ويبقى المسار واحدًا. فهناك أوطان تحتاج إلى الحضور المكثّف لتشعر بالأمان، وأوطان أخرى وهي الأندر تواصل عملها بذات الانتظام، لأن قيادتها ليست مرتبطة بالمشهد فقط، بل بالفعل المستمر. عُمان من هذا النوع الثاني، دولة تشكّلت على التماسك، ونمت على الثقة، وتقدّمت وهي تعرف أن السيادة ممارسة يومية لا ترتبط بالمكان.
يدير حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظّم شؤون الدولة من موقعه خلال زيارةٍ خاصة إلى ألمانيا، فتبدو عُمان على طبيعتها، دولة تمضي بأعمالها، وتحفظ انتظامها، وتُدار بعقل الدولة لا بحساسية اللحظة. فهنا، لا يُقاس الحضور بالقرب الجغرافي، إنما باستمرار القرار، ولا تُحفظ الهيبة بالظهور، بل بثبات الأداء.
السلطان هيثم بن طارق المفدى هو عنوان القيادة في صورتها الهادئة الواثقة، قائدٌ تمارس الدولة حضورها من خلاله، لا بحثًا عن الاستقرار إنما تعبيرًا عنه. اسمه مرتبط بنهجٍ واضح، وبطريقة إدارةٍ رصينة، وبثباتٍ انعكس على صورة الدولة وسلوكها العام. ومنذ تولّيه مقاليد الحكم، تشكّلت علاقة قائمة على المحبة والاحترام العميق بين القيادة والشعب، علاقة لا تحتاج إلى إظهار، لأن أثرها حاضر في انتظام الشأن العام، وفي هدوء الدولة، وفي الثقة التي تحيط بمسارها.
في الداخل، لا يحدث ما يُستدعى للشرح.
المؤسسات تعمل ضمن مسارها الطبيعي،
والشأن العام يسير دون اضطراب،
والحياة اليومية تمضي بإحساس ثابت بالاطمئنان.
وهذا ليس تفصيلًا إداريًا، إنما تعبير عن دولة بلغت درجة عالية من التماسك، دولة لا تتغيّر نبرتها بتغيّر المواقع، لأنها لم تُبنَ على الارتجال.
وعلى امتداد الجغرافيا العُمانية، يتشكّل شعور واحد، صامت لكنه حاضر في كل مكان.
في المحافظات والولايات،
في المدن التي تتوسّع دون أن تفقد ملامحها،
وفي القرى التي تحفظ روح المكان،
في الجبال التي تعرّفت على الوقوف الطويل،
وفي الصحارى التي صاغت الصبر في تكوينها،
وفي الرمال الممتدة،
وفي البحار التي تصل اليابسة بالجزر البعيدة،
يحضر شوق المواطن لقائده المفدّى، شوق هادئ، ثابت، غير معلن.
هذا الشوق ليس تعبيرًا عاطفيًا، ولا حالة انفعال، بل إحساس تشكّل عبر تجربة مشتركة. إحساس يرى القيادة في أثرها، لا في تكرار حضورها، ويعبّر عن نفسه بالانتظار الوقور، وبالثقة الطويلة النفس، وبالاطمئنان إلى أن ما يُدار بعناية لا يتأثّر بتغيّر المكان.
محبة الشعب العُماني لسلطانه محبة مستقرة في العمق. لا تُرفع كشعار، ولا تُستدعى عند الحاجة، لكنها حاضرة في السلوك العام، وفي الالتزام، وفي النبرة التي يتحدّث بها الناس عن دولتهم. محبة نابعة من شعور صادق بأن من يقود البلاد يفعل ذلك بإخلاص كامل، وبمسؤولية عالية تجاه الإنسان والأرض معًا.
وفي هذا الامتداد الصامت للشوق، تتجلّى صورة وطن بلغ درجة متقدّمة من النضج. فالعلاقة بين السلطان والشعب ليست علاقة اعتماد، ولا علاقة استدعاء، بل علاقة انسجام. انسجام يجعل القيادة جزءًا من المسار العام، ويجعل الشعب شريكًا في حفظ استقرار الدولة، دون حاجة إلى تأكيد أو تذكير.
حتى المكان يعكس هذا الاتزان.
الجبال ثابتة في مواقعها،
والصحراء تمضي بوقارها،
والبحر يحافظ على مدّه وجزره.
ليس ذلك مجازًا إنشائيًا، بل توصيف لحالة عامة .. وطن يعرف كيف يُدار بثبات، وكيف يُنتظر قائده بمحبة، دون أن يتغيّر أو يتراجع.
وعندما يحين وقت العودة، ستكون عودة طبيعية إلى مشهد ظلّ قائمًا على انتظامه. سيعود القائد السلطان إلى وطنٍ حافظ على هيئته، وشعبٍ بقي على نبرته، ودولةٍ واصلت مسارها بثقة، لأنها لم تربط تماسكها بلحظة، بل زرعته في عمقها.
وفي المحصلة، تُعرَف الدول الرفيعة بقدرتها على العمل بهدوء، وعلى الانتظار دون اهتزاز، وعلى بناء علاقة متوازنة بين القيادة والشعب. وهكذا تبقى عُمان .. دولةً واقفة، متماسكة، عالية المقام، يُدار أمرها بثبات، ويقف شعبها معها بمحبة صافية، وانتظار واثق.




























