حصريٌّ لـ«الصحوة» – كيف قرأت الوكالات العالمية جولة مسقط؟ سؤالٌ فرض نفسه مع إسدال الستار على جولة المباحثات الأمريكية الإيرانية التي استضافتها العاصمة العُمانية، وسط ترقبٍ إقليمي ودولي لتداعياتها على مسار الملف النووي وتوازنات الأمن في المنطقة. وبينما اكتفت واشنطن بالصمت الرسمي عقب ختام الجولة، خرجت طهران بنبرة إيجابية حذرة، في حين قدّمت الوكالات العالمية قراءات متقاربة في خلاصتها، متباينة في زوايا التركيز والتفسير.
أبرز خيطٍ التقطته وكالات كبرى مثل «رويترز» و«بلومبيرغ» و«شينخوا» تمثل في توصيف الجولة بأنها «بداية جيدة»، وفق ما نُقل عن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، مع التفاهم على استكمال المسار عبر جولات لاحقة بعد مشاوراتٍ داخلية في العاصمتين. وفي هذه القراءة، بدت مسقط – مرة أخرى – منصةً لفتح نافذة دبلوماسية، لا لإنتاج اتفاقٍ فوري؛ إذ ركزت التقارير على أن الجولة كانت تمهيدية، هدفها تثبيت أرضية للحوار وترتيب قواعد الاشتباك السياسي قبل الدخول في تفاصيل أعقد.
في المقابل، شددت «رويترز» – بشكلٍ لافت – على صلابة خطوط الخلاف، لا سيما ما يتصل بأجندة التفاوض. فقد نقلت الوكالة أن إيران أصرت على حصر النقاش في الملف النووي وحده، رافضة إدراج برنامج الصواريخ الباليستية ودعم الجماعات الحليفة في المنطقة وملفات أخرى، وهي ملفات تُظهر واشنطن رغبة متكررة في أن تكون جزءًا من أي صفقة شاملة. هذه النقطة بالذات ظهرت باعتبارها الاختبار الحقيقي لاستمرارية المسار: هل يمكن أن تتقدم المحادثات إذا تمسك كل طرفٍ بسقفٍ تفاوضي مختلف؟
ولم تكتفِ «رويترز» برصد الخلاف الفني، بل وضعت المحادثات في سياق ضغطٍ متبادل؛ حيث لفتت إلى أن الجولة جاءت وسط تهديدات أمريكية علنية وإشاراتٍ إلى خيارات “غير دبلوماسية”، مقابل رسائل إيرانية تؤكد رفض التفاوض تحت “التهديد والضغط”. وفي القراءة ذاتها، بدت مسقط محطة لخفض التوتر، لكنها أيضًا مسرحًا غير مباشر لحرب الرسائل: ضغط سياسي وعسكري من جهة، وممانعة سيادية وخطوط حمراء من جهة أخرى، مع محاولة عمانية لإبقاء الحوار قائمًا بعيدًا عن صدامٍ يلوح في الأفق.
ومن زاوية مختلفة، ركزت «أسوشيتد برس» على الشكل الإجرائي للمحادثات ودلالاته، وأبرزت أنها جرت بصورة غير مباشرة عبر الوسيط العُماني، مع وصفٍ إيراني لها بأنها “بداية جيدة جدًا” ومحاولة لصياغة إطار تفاوضي لجولات لاحقة. كما لفتت الوكالة إلى عنصرٍ استثنائي تمثل في حضور قائد القيادة المركزية الأمريكية ضمن الوفد، وهو حضور غير معتاد في مسارات تفاوضية من هذا النوع، ما قرأته باعتباره تذكيرًا صريحًا بأن الدبلوماسية تجري تحت ظل حسابات القوة.
أما «الأناضول» فقد أبرزت جانبًا آخر، بنقلها عن مصادر إيرانية أن طهران قدمت “خطة أولية” مكتوبة عبر الوسيط العُماني للجانب الأمريكي، في إشارة إلى محاولة إيران الإمساك بمفتاح مسار التفاوض عبر مقترحٍ عملي يختبر جدية الطرف المقابل. وفي هذه القراءة، بدت الجولة ليست مجرد تبادل رسائل، بل محاولة لبلورة ورقة عمل قد تكون نواة لجولة تالية أكثر تحديدًا.
القراءة الاقتصادية حضرت سريعًا عبر «بلومبيرغ»، التي ربطت نبرة التفاؤل الإيراني برد فعل الأسواق، مشيرة إلى تراجع أسعار النفط عقب تصريحات “البداية الجيدة”، في انعكاسٍ مباشر لتراجع مخاوف المواجهة العسكرية ولو مؤقتًا. وإذ تعكس هذه الإشارة حساسية أسواق الطاقة تجاه أي مؤشرات تهدئة في الخليج، فإنها تُظهر أيضًا حجم الرهان العالمي على مسقط بوصفها بوابة لتخفيف المخاطر التي قد ترفع كلفة التوتر على الاقتصاد الدولي.
وتقاطعت «شينخوا» مع هذا الخط العام في التأكيد على أن الجولة انتهت باتفاق على الاستمرار، مع التركيز على مطلب إيران بضرورة “الامتناع عن التهديد والضغط” لإنجاح أي حوار. بينما نقلت «سبوتنيك» تفاصيل موسعة عن وصف عراقجي للمحادثات بأنها “مطولة ومكثفة” وفي “أجواء ودية”، إلى جانب إعلان المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن الطرفين اتفقا على استئنافها وتحديد الجولة المقبلة بالتشاور بين العاصمتين، وهو ما عزز سردية أن المسار لم يتعثر عند الجولة الأولى.
في المقابل، اكتفت «تاس» بالخط الخبرّي المباشر، مركزة على إعلان التلفزيون الإيراني انتهاء الجولة ومغادرة الوفد الإيراني مقر اللقاء، مع الإشارة إلى أن الحديث عن استمرار المحادثات لعدة أيام لم يتحقق، ما يوحي بأن الجولة كانت أقرب إلى “جلسة افتتاحية” لترسيم المسار بدلاً من مفاوضات مطوّلة متعددة الأيام.
وعلى مستوى “الدور العُماني” كما قرأته الوكالات، فقد تكرر وصف وزير الخارجية العُماني معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي للمحادثات بأنها “جادة للغاية” و”مفيدة” لتوضيح الأفكار وتحديد مجالات يمكن التقدم فيها، مع التأكيد على عقد لقاء جديد بعد أن تراجع طهران وواشنطن نتائج الجولة بعناية. هذه العبارة – التي تداولتها أكثر من وكالة – تختزل روح الوساطة العُمانية: إدارة التباينات دون إغفالها، وفتح كوة في جدار انعدام الثقة بدل الادعاء بأن الطريق معبّد نحو اتفاق سريع.
خلاصة ما تقوله الوكالات العالمية إن جولة مسقط لم تكن “صفقة” بقدر ما كانت “إشارة بدء”. إشارات إيجابية خرجت من طهران، صمت رسمي من واشنطن، وحضور قوي لوسيطٍ عُماني يقرأ اللحظة بأعصاب باردة. وبين هذه العناصر، تقف المنطقة أمام اختبار مزدوج: هل تتحول “البداية الجيدة” إلى مسارٍ تراكمي يخفف التوتر؟ أم أن الخلاف حول أجندة التفاوض – نووي فقط أم ملف شامل – سيعيد المحادثات إلى مربع الصدام؟ الإجابة، كما قالت أغلب الوكالات، مؤجلة إلى الجولة المقبلة… لكن مسقط كانت المكان الذي ثبّت على الأقل أن باب الحديث لم يُغلق بعد.




























