حصريٌّ لـ«الصحوة» – في خضم التوترات التي تشهدها المنطقة بين الحين والآخر، يعود مضيق هرمز إلى واجهة النقاش العام، لا بوصفه ممرًا جغرافيًا فحسب، بل باعتباره عقدة استراتيجية تتقاطع عندها المصالح الاقتصادية والقانونية والسياسية على مستوى العالم. وبينما تتصاعد التساؤلات حول إمكان فرض رسوم عبور على السفن والناقلات، يفرض الواقع القانوني الدولي نفسه كعامل حاسم يحدد طبيعة التعامل مع هذا الممر الحيوي.
يمثّل مضيق هرمز أحد أبرز المضايق البحرية المستخدمة للملاحة الدولية، إذ يربط بين الخليج العربي والمحيط الهندي، وتعبره يوميًا كميات ضخمة من النفط والغاز والسلع. غير أن أهميته لا تكمن في حجمه أو موقعه فقط، بل في طبيعته القانونية الخاصة؛ فهو ليس قناة صناعية أنشأتها دولة، بل ممر طبيعي تشكّل بفعل الجغرافيا، الأمر الذي يضعه ضمن نظام قانوني مختلف تمامًا عن الممرات التي يمكن للدول فرض رسوم عليها.
في القانون الدولي للبحار، وتحديدًا في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، تخضع المضايق الدولية لنظام يُعرف بـ “المرور العابر”، وهو نظام يمنح السفن – بما في ذلك التجارية والعسكرية – حق المرور المستمر والسريع دون تعطيل أو قيود مالية مفروضة لمجرد العبور. ويقوم هذا النظام على مبدأ أساسي مفاده أن هذه المضايق تخدم المجتمع الدولي بأسره، ولا يجوز تحويلها إلى ممرات خاضعة لرسوم سيادية تُفرض على حركة الملاحة.
هذا التفريق بين “المرور” و”الخدمة” يعد جوهريًا في فهم المسألة. فالقانون الدولي لا يمنع الدول المطلة على المضايق من تنظيم الملاحة أو تقديم خدمات معينة للسفن، كما لا يمنع تحصيل رسوم مقابل هذه الخدمات إذا كانت فعلية ومباشرة، مثل الإرشاد البحري أو المساعدة الفنية. لكن في المقابل، لا يجيز فرض رسوم عبور عامة على السفن لمجرد استخدامها الممر الطبيعي، لأن ذلك يتعارض مع طبيعة المضيق ووظيفته الدولية.
ويبرز هنا الفرق الجوهري بين مضيق هرمز وقنوات مثل السويس أو بنما. فهذه القنوات ممرات أنشأها الإنسان وتخضع لإدارة وتشغيل مباشر من الدول المالكة لها، ما يبرر فرض رسوم مقابل استخدامها. أما المضيق الطبيعي، فلا يُعد منشأة قابلة للتسعير، بل جزءًا من النظام البحري العالمي المفتوح، الذي تنظمه قواعد دولية تراعي توازنًا دقيقًا بين السيادة الوطنية وحرية الملاحة.
هذا التوازن يضع الدول المطلة على المضيق أمام معادلة حساسة؛ فهي تملك حقوقًا سيادية تتعلق بالأمن والسلامة وتنظيم المرور، لكنها في الوقت ذاته مقيّدة بقواعد دولية تمنعها من تعطيل الملاحة أو تحويلها إلى مصدر دخل مباشر عبر فرض رسوم عبور. وهو ما يجعل أي طرح لفرض رسوم على مضيق هرمز يتجاوز كونه مسألة اقتصادية، ليدخل في نطاق الالتزام بالقانون الدولي ومدى احترام القواعد المنظمة للملاحة العالمية.
ولا يقتصر الأمر على النصوص الاتفاقية فقط، بل يمتد إلى ما استقر عليه العرف الدولي عبر عقود طويلة، حيث باتت حرية الملاحة في المضايق الدولية مبدأً راسخًا لا يرتبط بانضمام دولة من عدمه إلى اتفاقية معينة، بل بممارسة دولية واسعة النطاق عززتها أحكام قضائية دولية وتجارب تاريخية متراكمة. ولهذا فإن أي محاولة لإعادة تفسير هذه القواعد بشكل أحادي غالبًا ما تواجه برفض دولي واسع، لما قد تحمله من تداعيات على استقرار التجارة العالمية وأسواق الطاقة.
وفي ظل هذه المعطيات، يتضح أن النقاش حول فرض رسوم عبور في مضيق هرمز لا يمكن فصله عن الإطار القانوني الأشمل الذي يحكم الملاحة البحرية الدولية. فالمضيق، بحكم موقعه ووظيفته، ليس مجرد ممر إقليمي، بل شريان عالمي تتقاطع عنده مصالح دول متعددة، الأمر الذي يجعل التعامل معه محكومًا بقواعد تتجاوز الحدود الجغرافية إلى نطاق النظام الدولي بأكمله.
وعليه، فإن فهم طبيعة هذا المضيق لا يكتمل إلا بإدراك أن قيمته لا تُقاس فقط بحجم النفط الذي يمر عبره، بل أيضًا بالدور الذي يؤديه في الحفاظ على انسيابية حركة التجارة العالمية، في ظل نظام قانوني صُمم أساسًا لضمان بقاء هذه الممرات مفتوحة، بعيدًا عن أي قيود قد تعرقلها أو تحوّلها إلى أدوات ضغط اقتصادي.
في النهاية، يبقى مضيق هرمز نموذجًا واضحًا لكيفية تداخل الجغرافيا بالقانون، والسيادة بالمسؤولية الدولية، حيث لا يكون الخيار متاحًا بين فرض الرسوم أو عدمها، بقدر ما يكون الالتزام بالقواعد الدولية هو المحدد الأول لطبيعة التعامل مع أحد أهم الممرات البحرية في العالم.




























