الصحوة : علي الحداد
في مشهدٍ دوليٍّ يزداد تعقيدًا، وتتشابك فيه مسارات القرار حتى تكاد تفقد اتزانها، تبرز سلطنة عُمان كاستثناءٍ راسخ في فنّ إدارة الأزمات وتفكيك تعقيداتها؛ بروحٍ موزونة، ورؤيةٍ لا تنجرف مع التوتر، بل تُحسن احتواءه وتوجيهه. إنها دبلوماسية تمارس الهدوء كقوة، وتُتقن الإصغاء كأداة، وتبني الجسور حين يعجز الآخرون عن مدّ كلمةٍ واحدة، فتُحوّل التعقيد إلى مساحاتٍ للفهم، والاختلاف إلى فرصٍ للتقارب.
هذا النهج ليس وليد اليوم، بل امتدادٌ لرؤيةٍ عُمانيةٍ بوسعيدية ضاربة الجذور، تعود إلى عهد الإمام المؤسس أحمد بن سعيد البوسعيدي، وتتجلى اليوم في ظل قيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، الذي رسّخ معالم مدرسةٍ سياسية تجعل من السلام ضرورةً استراتيجية، ومن الإنسان غايةً عليا تتقدّم على كل اعتبار. وفي عهده، ترسّخت الدبلوماسية العُمانية كفلسفة دولةٍ تُوازن بين المبادئ والمصالح، وتقف بثباتٍ على أرض الحق والوضوح، منحازةً للنور حيث اختار غيرها دروب الالتباس.
وفي قلب هذا الحضور المتزن، يتموضع معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، بوصفه ترجمان هذه الرؤية ووجهها التنفيذي؛ لا يكتفي بإدارة المشهد، بل يمنحه لغته واتجاهه. خطابٌ موزون، وحضورٌ يُقنع دون أن يضغط، ويتقدّم دون أن يصطدم. دبلوماسية تُجيد العبور بين أعقد الملفات بوضوحٍ بلا استفزاز، وحزمٍ بلا صدام، ولباقةٍ تُحافظ على ثوابت الدولة ومكانتها، فتجعل من اللغة جسرًا، ومن الحكمة أداة تأثيرٍ تتجاوز حدود اللحظة.
وتمضي الدبلوماسية العُمانية بوصفها منظومة دولةٍ متكاملة، تتجسّد في تراكمٍ من الخبرة، وانضباطٍ في الأداء، وقدرةٍ على العمل بثقةٍ عبر مساحاتٍ معقدة. نهجٌ يُراكم أثره بهدوء، ويُحسن إدارة التوازنات دون أن يفقد وضوحه، ويجعل من الموثوقية رصيدًا ثابتًا يُستدعى حين تتعثر المسارات وتضيق الخيارات.
ويأتي هذا الإنجاز الإنساني الإفراج عن المواطنة الفرنسية سيسيل كوهلر ومواطنها جاك باريس بعد أكثر من ثلاث سنوات ونصف من الاحتجاز في إيران ليجسّد هذا النهج في أبلغ صوره. هنا لا يُقاس النجاح بمعاييره السياسية فحسب، بل بقدرته على استعادة حياة، وإغلاق فصلٍ ثقيل، وفتح بابٍ للأمل؛ تأكيدًا على أن الدبلوماسية العُمانية لا تُعنى بإدارة الأزمات فقط، بل بصون الإنسان وإحياء الرجاء.
وقد جاء صدى هذا الجهد في كلمات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، التي جاءت بصيغة اعترافٍ صريح لا تحتمل التأويل، وتقديرٍ مباشر لوساطتها، وإشادةٍ بالجهود التي أثمرت هذا النجاح. وتُقرأ هذه الإشادة بوصفها شهادةً سياسية وإنسانية دولية، تُكرّس مكانة عُمان كوسيطٍ موثوق، وتؤكد امتلاكها ما تعجز عنه مقارباتٌ أكثر صخبًا .. القدرة على تحويل الانسداد إلى ممر، والتوتر إلى تفاهم.
وليس هذا النجاح استثناءً، بل امتدادٌ لمسارٍ طويل أسهمت فيه السلطنة في معالجة ملفات إنسانية معقّدة، وفكّ أسر محتجزين في أكثر من سياق، مستندةً إلى شبكة علاقاتٍ متوازنة، وثقةٍ تُبنى بالتراكم لا بالتصريحات. فالدبلوماسية هنا ليست تحرّكًا مؤقتًا، بل ممارسةٌ راسخة تُختبر في أصعب اللحظات وتُكرّس حضورها كخيارٍ موثوق.
وهكذا، فإن هذا الإنجاز، وما رافقه من إشادةٍ دولية صادقة، لا يقف عند حدود واقعةٍ بعينها، بل يرسّخ صورة عُمان كما هي في وجدان العالم: دولةٌ تُمارس الدبلوماسية كقيمة، وتُجسّد السلام كنهج، وتبقى بقيادتها الحكيمة ومؤسساتها الرصينة عنوانًا للاتزان في عالمٍ متقلّب، ومنارةً للوساطة في بيئةٍ دوليةٍ مضطربة، وصوتًا للإنسان حين تتباين الاتجاهات وتتقاطع الإرادات.


























