الصحوة – علي الحداد
في اللحظات التي ترتفع فيها الثقافة من حدود النشاط إلى مقام القدر، لا يعود التكريمُ مجرّد احتفاءٍ، بل إقرارًا بتاريخٍ كاملٍ من الوعي الحضاري، وشهادةً بأن ثمّة أوطانًا لم تجعل من الفكر تفصيلًا يُضاف إلى صورة الدولة، بل باعتباره العمود الخفي الذي تُشاد عليه هيبةُ الأمم، ويُصاغ به وجدانُ الإنسان، وتُحفَظ به الحضارات من التآكل والنسيان.
ولهذا جاء منحُ حضرةِ صاحبِ الجلالةِ السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وسامَ التميّز الثقافي العربي من الفئة السامية من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الألكسو، بوصفه تتويجًا يليق بقائدٍ عظيم جعل الثقافة جزءًا من الرؤية الكبرى للدولة، لا مسارًا منفصلًا عنها، ولا شأنًا يُدار على هامش البناء الوطني، بل ركيزةً تُبنى عليها صورةُ الإنسان، ويترسّخ بها الحضورُ الحضاري لعُمان في وجدان محيطها العربي والإنساني.
ففي عُمان، لم تكن الثقافة يومًا شأنًا موسميًا يُستدعى عند الاحتفال، بل كانت نَفَسًا يسري في تكوين البلاد، ممتدّةً في عمق تاريخها، وفي ملامح مدنها، وفي أثرها الذي عبر البحار والقارات، حاملًا صورة الإنسان العُماني، ذلك الإنسان الذي عرف كيف يجمع بين الحكمة والانفتاح، وبين الاعتزاز بهويته والقدرة على مخاطبة العالم بلغةٍ تتجاوز الصخب والعابر والمؤقت.
وحين يأتي هذا الوسام العربي الرفيع، فإنه لا يهبط على عُمان كأمرٍ طارئ، إنما يأتي امتدادًا لمسيرةٍ حضاريةٍ طويلة، لأن هذه الأرض لم تصُن تراثها بوصفه بقايا زمن، بل حفظته كحضورٍ حيٍّ يتجلّى في الوعي الوطني، وفي الإدراك العميق بأن الأمم لا تُقاس بثرواتها وحدها، بل بقدرتها على حماية جوهرها الحضاري من التبدّد.
لقد مضت القيادة الحكيمة لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم وهي تعيد للثقافة مقامها الأعلى، لا كقطاعٍ منفصلٍ عن الدولة، بل كجوهرٍ يتداخل مع التعليم، والتنمية، والمعرفة، وبناء الإنسان. ولهذا لم يكن المشهد الثقافي في عُمان مجرّد نشاطٍ مؤسساتي، بل انعكاسًا لرؤيةٍ تعرف أن بناء الإنسان لا يبدأ من الحجر، بل من الوعي، وأن الأمم لا ترتفع بما تملكه وحده، بل بما تزرعه في روح أبنائها من إدراكٍ للجمال، ومعرفةٍ بالتاريخ، وقدرةٍ على حمل الوطن إلى المستقبل دون أن يفقد ملامحه الأولى.
ولم تتوقف هذه الرؤية عند حدود الجغرافيا العُمانية، بل انفتحت على المحيط العربي والإسلامي بإيمانٍ عميق بأن الثقافة ليست شأنًا محليًا ضيقًا، وإنما إرثٌ إنسانيٌ مشترك، تُصان به ذاكرةُ الأمم، وتُحمى به اللغات، وتبقى به الحضارات قادرةً على مخاطبة المستقبل دون أن تفقد جذورها الثقافية.
وفي رمزية وسام التميّز الثقافي العربي ما يتجاوز حدود التكريم المألوف، إنما يكرّس يقينًا عربيًا راسخًا بأن عُمان لم تكن دولةً تستهلك الثقافة، بل دولةً تُنتج حضورها الحضاري بهدوءٍ واثق، وتُعيد تقديم الهوية العربية بصورتها الأكثر اتزانًا ونُبلًا وانفتاحًا. فقد ظلّت عُمان تراهن على ما هو أبقى .. الإنسان، والمعرفة، واللغة، والذاكرة، والضياء العميق للحضارة.
ولأن الألكسو تمثّل إحدى أبرز المؤسسات العربية المعنية بصون الثقافة والمعرفة، فإن لهذا الوسام ثقله المعنوي العميق، فهو لا يُمنح احتفاءً بالمكانة وحدها، بل تقديرًا للأثر الممتد. والأثر العُماني هنا لم يكن عابرًا أو مؤقتًا، بل مسارًا راسخًا من العناية باللغة العربية، إلى صون التراث، إلى بناء الجسور المعرفية، إلى ترسيخ صورة الثقافة كقوةٍ راقيةٍ قادرةٍ على مخاطبة العالم بالحكمة والوعي والاتزان.
إن عُمان، وهي تتوشّح هذا التكريم العربي الرفيع، تفرض حضورها الحضاري الراسخ، حضارةً تعرف كيف تحرس ذاكرتها، وكيف تمنح الإنسان مكانته العليا في مشروعها الوطني. وهكذا يغدو الوسام مرآةً لذاكرةٍ حيّة، وحضورٍ تاريخي وثقافي، ووطنٍ يعرف كيف يبقى ثابتًا في المعنى، مهما تبدّلت ملامح العالم من حوله.

























