الصحوة – نصر الحضرمي
في بداية مشواري المهني بهيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، كنت أحمل حماس الخريّج من جامعة السلطان قابوس المتشبع بأفكار ونظريات المنهج الاكاديمي وكنت أعيش فرحة الموظف الجديد ورهبته في آن واحد.
أذكر مرة ًكنا في اجتماع لتأسيس مشروع طموح جداً وهو توثيق الرواية الشفوية العمانية الذي اطلقنا عليه التاريخ الشفوي ، في ذلك اليوم، لم أكن أتوقع أن أسمع كلمات ستظل تتردد في أذني لسنوات طويلة.
بعد نقاش طويل في الاجتماع ،التفت إليّ سعادة الدكتور حمد بن محمد الضوياني، رئيس هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية ،وبكل هدوء وثقة، قال لي: “بحكم تخصصك، ما تراه مناسباً لنجاح هذا المشروع.. ابدأ بالعمل عليه”.
في تلك اللحظة، توقفت الكلمات في صدري وقلت في نفسي: “هذا الرجل ليس عادياً”.
لماذا لم يكن عادياً؟ لأن القيادة في منطق سعادة الدكتور ليست إصدار أوامر أو التمسك بالكرسي، بل هي “صناعة قادة” ومنحهم الثقة. أن يعطي رئيس مؤسسة حكومية الضوء الأخضر لموظف في مقتبل حياته المهنية، فهذا يعني أنه يؤمن بالتخصص، ويحترم العلم، ويملك شجاعة القائد الذي يراهن على فريقه.
هذه الروح هي التي جعلت من “هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية” قصة نجاح نتفاخر بها اليوم. سعادة الدكتور حمد لم يكتفِ بتأسيس نظام عصري لادارة الوثائق الحديثة والتاريخية_والتي أصبحت الهيئة بيت خبرة في المنطقة، وصدرت الكوادر الوثائقية لمختلف الجهات داخل سلطنة عمان وخارجها_بل ذهب إلى ما هو أبعد ،ذهب خلف “الذاكرة الصامتة” في صدور كبار السن، ليوثق الرواية الشفوية قبل أن ترحل مع أصحابها، مؤمناً بأن تاريخ عُمان ليس فقط ما كُتب، بل ما عُيشت تفاصيله في القرى والبوادي والمدن.وشهدت عليه الجبال والصحاري والسواحل والجزر.
فالتاريخ الشفوي لم يعد مجرد تسجيل مقابلات، بل أصبح منظومة عمل احترافية غطت عُمان من شمال مسندم إلى جنوب ظفار. لم نترك محافظة ولا قرية إلا وسجلنا فيها ذاكرة كبارها، ولم نكتفِ بحدود الجغرافيا، بل امتدت الجهود لتشمل الدول التي ترتبط بتاريخ مشترك مع عُمان، لنجمع شتات الحكاية أينما وُجدت. هذا المشروع اليوم يغطي مختلف المجالات؛ من السياسة والاقتصاد إلى الحياة الاجتماعية والثقافية، محولاً الذكريات العابرة إلى وثائق رسمية تحفظ للأجيال بجودة تقنيات اليوم صوتا وصورة تحفظ لهم تفاصيل الحياة التي لم تكتبها الأقلام، بل عاشتها القلوب.
هو ذلك الرجل الذي يزرع فيك الرغبة في العطاء لمجرد أنه آمن بك. وبسببه، لم نعد نرى الهيئة مجرد مبنى للوثائق والمحفوظات ، بل بيتاً كبيراً لحفظ هويتنا، يُدار بعقلية القائد الذي يفتح الأبواب للمبدعين ويقول لهم: “أرونا تميزكم”.
شكراً لهذا القائد الذي لم يبنِ أرشيفا للوثائق فحسب، بل بنى جسوراً من الثقة مع موظفيه، ليحفظوا معه أغلى ما نملك: ذاكرة عُمان.



























