الصحوة – علي الحداد
في الشرق الأوسط، لا تُصنع الاختراقات الحقيقية أمام عدسات الكاميرات، بل في الغرف التي ينسحب منها اللغو السياسي وتبقى فيها الدولة وحدها، ببصيرتها، وصبرها، وقدرتها على الإمساك بالخيط الأخير قبل أن يسقط المشهد كله في الهاوية.
ومن هناك تماماً، من ذلك العمق السياسي الرصين الذي عرفت به مسقط عبر عقود، بدأت الطريق الطويلة التي انتهت في العاصمة الأردنية عمّان بتوقيع أكبر اتفاق لتبادل الأسرى والمحتجزين في اليمن منذ اندلاع الحرب.
لكن عمّان لم تكن البداية .. كانت اللحظة التي ظهر فيها ما ظل ينضج في الممرات البعيدة عن الأضواء.
أما البداية الحقيقية، فقد كانت في مسقط، حين قرأت الدبلوماسية العُمانية الأزمة اليمنية من زاوية مختلفة تماماً. لم تنظر إليها بوصفها مجرد نزاع سياسي بين أطراف متحاربة، إنما باعتبارها جرحاً إقليمياً مفتوحاً، ونزيفاً إنسانياً يبتلع أعمار الناس، ويترك خلفه آلاف العائلات معلقة بين الانتظار والفقد.
ومن هنا تحركت سلطنة عُمان وفق الرؤية السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وبقيادة معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي، وزير الخارجية، في مقاربةٍ تدرك أن الأزمات الممتدة لا تُقاس بحجم التعقيد السياسي فيها فحسب، وإنما بحجم ما تتركه من انكسارات في حياة الإنسان.
ولهذا، لم تتعامل مسقط مع الملف اليمني كمسار تفاوضي عابر، وإنما كمسؤوليةٍ تتصل باستقرار المنطقة وكرامة الإنسان معاً. فالدبلوماسية العُمانية، كما بدا في هذا المسار الطويل، لم تكن منشغلة بإدارة المواقف بقدر انشغالها بحماية المساحة الأخيرة التي تسمح للمنطقة أن تتنفس بعيداً عن إرث الحرب الطويل.
ولهذا لم تكن مسقط مجرد محطة حوار، بل كانت مركز الاتزان الإنساني الذي أعاد ترتيب الطريق بين المستحيل والممكن.
في الوقت الذي كانت فيه المنطقة غارقة في لغة التصعيد، تحرّكت الدبلوماسية العُمانية بيقين الدول الراسخة بحكمتها وموقعها في الوعي السياسي للمنطقة، مدركةً أن الملفات الكبرى لا تُفتح بالقوة، بل بالصبر، وأن الأطراف، مهما بلغت خصوماتها، تحتاج دائماً إلى طرفٍ يحفظ المسافة بين الخلاف والانفجار.
ولهذا، لم يكن غريباً أن تبدأ خيوط التفاهم من مسقط أواخر عام 2025، قبل أن تبلغ عمّان لحظة التوقيع الأممي التي أعادت إلى آلاف الأسر شيئاً من الحياة بعد سنوات من الانتظار.
وحين أُعلن الاتفاق في الأردن، لم يكن مجرد صفقة لتبادل الأسماء في الكشوفات، بل لحظة إنسانية ممتلئة بالوجع والرجاء، لأن عودة الأسير إلى بيته ليست تفصيلاً في مفاوضات، بل عودة وطنٍ صغير إلى حضن وطنه.
وفي تلك اللحظة، لم تكن أبواب السجون وحدها هي التي تُفتح، بل أعمارٌ كاملة كانت متوقفة عند صوتٍ غائب، وأمهاتٌ يختبرن للمرة الأولى معنى أن يعود الدعاء من السماء ومعه الأبناء.
ولهذا أيضاً، جاء بيان وزارة الخارجية العُمانية مختلفاً في لغته وعمقه، لم تكن لغةً بروتوكولية باردة، بل لغة دولة تعرف جيداً وزن ما فعلته. وحين أكدت السلطنة أن نجاح جولة عمّان جاء في ضوء الاتفاق الذي تم التوصل إليه في سلطنة عُمان في ديسمبر 2025، فإنها لم تكن تبحث عن نسبة الفضل لنفسها، بقدر ما كانت تثبت حقيقة المسار .. أن السلام لا يولد فجأة أمام الإعلام، بل يُبنى خطوة خطوة، وبصبرٍ طويل، وعملٍ لا يراه أحد.
كما أن إشادة سلطنة عُمان بالأردن والأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر لم تكن مجرد مجاملة دبلوماسية، بل انعكاساً لعقلية عُمانية تؤمن بأن النجاح الحقيقي لا يُصنع بالاستفراد، وإنما بالشراكات التي تحفظ التوازن وتمنح الاتفاقات فرصة للحياة والاستمرار.
ولعل هذا ما جعل الدبلوماسية العُمانية تحتفظ بثقة الجميع، لأنها لم تكن يوماً دبلوماسية الشعارات العالية، بل دبلوماسية الأبواب المفتوحة. وحين كانت كثير من المسارات تُغلق تحت ثقل الحرب والاصطفافات، بقيت مسقط قادرة على أن تكون المكان الذي يمكن أن يلتقي فيه المختلفون، لا لأن الخلافات انتهت، بل لأن عُمان تعرف كيف تُبقي الخيط الأخير قائماً بين القطيعة والانفراج.
إن ما تحقق في عمّان لم يكن نجاحاً تفاوضياً عابراً، بل انتصاراً لفكرة كاملة قادتها سلطنة عُمان منذ البداية .. أن الإنسان يجب أن يسبق الحسابات، وأن السياسة التي لا تعيد الأمهات إلى أبنائهن، ولا تفتح أبواب السجون، ولا تمنح الناس فرصة للنجاة، تبقى سياسة ناقصة مهما بدت قوية.
وهكذا، مرّةً أخرى، لم تكن عُمان تُدير محطةً سياسية عابرة، بل كانت تعيد للمنطقة شيئاً من توازنها الإنساني الذي كاد يضيع تحت ثقل الحروب والخصومات الطويلة.
وبينما كانت الأبواب تُغلق تباعاً، بقيت مسقط تعرف كيف تترك منفذاً للحياة، وكيف تحفظ للمسافات المنهكة فرصةً أخيرة للعودة إلى الحكمة.
ولهذا، لم يكن ما حدث في عمّان مجرّد اتفاقٍ لتبادل الأسرى، إنما صورةً أخرى لدولةٍ لا تقيس حضورها بحجم ما تقوله، بل بحجم ما تمنحه للناس من نجاة، وما تتركه في هذا الشرق المتعب من فسحةٍ أقل وجعاً .. وأكثر إنسانية.




























