الصحوة – علي الحداد
ليست كل النساء يعبرن في ذاكرة الأوطان بالطيف ذاته، فبعضهن يتركن أثرًا يشبه الرحمة حين تتحول إلى نهجٍ كامل، حتى يبدو الوطن أكثر دفئًا واتساعًا وإنسانية. ومن هذا المقام الجليل، تتجلّى السيدة الجليلة عهد بنت عبدالله البوسعيدي، حرم حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه –، لا بوصفها مقامًا يكتفي بالظهور، بل باعتبارها روحًا تليق بالمعنى الإنساني في أسمى صوره، وتمنح الفئات التي كثيرًا ما غابت مواهبها عن الضوء مساحةً أرحب للحياة والكرامة والتعبير.
وفي تدشين فرقة ترانيم الأمل، لم يكن الحضور منصرفًا إلى الموسيقى وحدها، بل إلى تلك الأرواح التي صعدت إلى الضوء محمّلةً بالشغف والإرادة والجمال. هنا، بدت الألحان وكأنها لغةٌ أخرى للحياة، لغةٌ تكشف ما تستطيع الموهبة أن تفعله حين تجد من يحتضنها ويؤمن بها. لم يكن المسرح يعرض أصواتًا وآلاتٍ فحسب، بل كان يقدّم صورةً ناصعة للإنسان حين يُمنح المساحة التي يستحقها، فيغدو الشغف أثرًا يبقى، ويصبح الإبداع شيئًا يشبه الضوء حين يعبر الأرواح.
السيدة الجليلة، بحسّها الإنساني الرفيع، لا تنظر إلى أصحاب الهمم كفئةٍ تحتاج الرعاية بقدر ما تراهم طاقاتٍ تستحق أن تُفتح لها الأبواب لتشارك العالم حضورها المختلف والملهم. ولذلك جاءت هذه المبادرة وكأنها رسالةٌ عُمانية نبيلة تقول إن الإنسان لا يُختزل في تحدياته، وإنما يكشف جوهره الحقيقي حين يجد يدًا تؤمن بما يختبئ داخله من نورٍ وقدرة.
ولعل ما يمنح هذه المبادرات أثرها العميق، ذلك الامتداد الإنساني الذي تحمله السيدة الجليلة في علاقتها بأبناء الوطن، إذ تحضر في وجدان العُمانيين بقلبٍ امتلأ رحمةً ورفقًا واحتواءً، حتى غدت قريبةً من مشاعر الناس على نحوٍ لا تمنحه المجاملة، بل يخلقه الصدق الإنساني. ولذلك لم تأتِ محبة العُمانيين لها من مكانتها الجليلة فحسب، بل من ذلك الشعور الصادق بأنها تمضي نحو الإنسان بعاطفة أمٍّ ترى في أبنائها امتدادًا لقلبها، وتؤمن بأن الكرامة والاهتمام والرعاية ليست مبادراتٍ عابرة، بل جزءٌ من القيم النبيلة التي تقوم عليها الحياة الكريمة.
ومن خلال هذا الأثر الإنساني الرفيع، بدت عُمان وكأنها تعزف صورتها الأجمل، وطنٌ لا يكتفي ببناء المدن والطرق، بل يشيّد في الإنسان ذلك الجزء النبيل الذي لا تُبنى الأوطان بدونه. وطنٌ يعرف أن الحضارة الحقيقية لا تُقاس بعلوّ الأبراج، بل بمقدار الضوء الذي يصل إلى القلوب التي انتظرت طويلًا من يمنحها الإيمان بنفسها.
أما ترانيم الأمل، فلم تولد كفرقةٍ موسيقية عابرة، بل كنافذةٍ واسعة على قدرة الفن في إعادة تشكيل الحياة. كل نغمةٍ فيها تحمل قصة إرادة، وكل لحنٍ يبدو كأنه انتصارٌ صغير على العتمة، وكل وجهٍ على المسرح كان يقول إن الإنسان قادرٌ على أن يخلق من التحديات جمالًا لا يشبه إلا العظماء الذين رفضوا أن تنطفئ أرواحهم.
وحين تُبارك السيدة الجليلة مثل هذه المبادرات، فإنها لا تدعم مشروعًا فنيًا فحسب، بل تؤسس لوعيٍ مجتمعي أكثر رحمةً ونبلًا واتزانًا. فهي، بما تمثله من رقيّ إنساني وسموّ أخلاقي، تُرسّخ صورة الأم العظيمة التي ترى أبناء الوطن جميعًا بعينٍ واحدة، وتمنح للمحبة معنىً يتجاوز الكلمات إلى أفعالٍ تبقى آثارها في النفوس طويلًا.
لهذا، لا تبدو السيدة الجليلة عهد بنت عبدالله البوسعيدي مجرد شخصيةٍ تحظى بالمحبة، بل قيمةٌ إنسانية تمشي على أرض عُمان. ومع كل مبادرةٍ تحمل بصمتها، يزداد هذا الوطن إشراقًا، وكأن الرحمة نفسها اختارت أن تتخذ من عُمان وطنًا، ومن قلب هذه المرأة النبيلة صوتًا يليق بالإنسانية كلها.

























