الصحوة – منال بنت محمد المقبالية
يشكل قانون الطفل العماني الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (22/2014) أحد أهم التشريعات الوطنية التي كرّست مبدأ حماية الطفل بوصفه صاحب حق مستقل يتمتع بضمانات قانونية خاصة، ولم يقتصر القانون على تنظيم الجوانب الاجتماعية أو الأسرية فحسب، بل تبنى منظومة متكاملة شملت الحقوق المدنية والصحية والتعليمية والثقافية والحماية من كافة صور الاستغلال والإيذاء.
وقد قرر المشرع العماني في المادة (2) من قانون الطفل مجموعة من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها حماية الطفل، فنصت على كفالة حقوق الطفل في الحياة والبقاء والنمو والمشاركة وإعلاء مصلحته الفضلى، باعتبارها مرتكزات تشريعية تحكم تفسير وتطبيق أحكام القانون.
أولاً: الحقوق المدنية للطفل
أفرد القانون باباً كاملاً للحقوق المدنية للطفل، حيث كفل له الحق في الحياة والكرامة والحماية من العنف والاستغلال.
فقد نصت المادة (6) على حق الطفل في الحياة والبقاء والنمو، مع ضمان حمايته من جميع أشكال الإيذاء أو الإساءة.
كما قررت المادة (7) حق الطفل في الاسم والجنسية والتسجيل في السجلات الرسمية، وحظرت تسميته بما يمس كرامته أو ينطوي على تحقير أو إهانة. كذلك أكدت حقه في الانتساب لوالديه وإثبات نسبه بالوسائل المشروعة.
ولم يغفل المشرع حق الطفل في التعبير والمشاركة، إذ منحت المادة (11) الطفل الحق في إبداء رأيه والتعبير عنه بالوسائل المشروعة بما يتناسب مع عمره ونضجه، وهو ما يعكس انتقال التشريع من مفهوم الوصاية المطلقة إلى الاعتراف بدور الطفل كشخص ذي إرادة وحقوق.
ثانياً: الحق في الحماية من العنف والاستغلال
أولى قانون الطفل جانب الحماية اهتماماً بالغاً، فنص على حماية الطفل من كافة صور الإساءة الجسدية أو النفسية أو الجنسية أو الإهمال.
كما أوجب القانون الإبلاغ عن أي انتهاك أو استغلال أو تعنيف يقع على الطفل، باعتبار حماية الطفل مسؤولية مجتمعية وليست مسؤولية الأسرة وحدها.
ويُلاحظ أن المشرع لم يكتف بالنصوص الحمائية، بل أرفقها بجزاءات جنائية وردت ضمن الفصل الثاني عشر (المواد 66–76) لمعاقبة كل من يخالف أحكام القانون أو يعتدي على حقوق الطفل.
ثالثاً: الحقوق الصحية والتعليمية
أكد القانون حق الطفل في الرعاية الصحية الكاملة منذ الميلاد، بما يشمل التطعيم والعلاج والرعاية الوقائية.
كما كفل حقه في التعليم وتنمية قدراته الفكرية والعلمية والثقافية، باعتبار التعليم حقاً أصيلاً وليس مجرد خدمة اجتماعية.
وتنسجم هذه الحماية مع فلسفة قانون الطفل التي تهدف إلى بناء شخصية الطفل وتنميته بدنياً ونفسياً وفكرياً، لا مجرد توفير الحماية التقليدية له.
رابعاً: المصلحة الفضلى للطفل معياراً قانونياً
من أهم المبادئ التي أرسخها قانون الطفل العماني اعتماد مبدأ المصلحة الفضلى للطفل كمرجعية أساسية في كل القرارات والإجراءات المتعلقة به.
ويترتب على ذلك أن أي إجراء قضائي أو إداري أو اجتماعي يجب أن يراعي أولاً ما يحقق منفعة الطفل ويحفظ استقراره ونموه وسلامته، حتى عند تعارض المصالح الأخرى.
الخاتمة
إن قانون الطفل العماني لم يأتِ باعتباره نصاً تنظيمياً فحسب، بل شكّل إطاراً تشريعياً متكاملاً لحماية الطفولة، يقوم على الاعتراف بالطفل كصاحب حقوق مستقلة، ويُلزم الأسرة والمجتمع والدولة بضمان تلك الحقوق وصيانتها.
غير أن فعالية النصوص القانونية تبقى مرهونة بالوعي المجتمعي؛ فحماية الطفل لا تتحقق بالعقوبات وحدها، بل بثقافة قانونية تؤمن بأن حقوق الطفل ليست امتيازات تمنح، وإنما حقوق أصيلة كفلها القانون.



























