حصريٌّ لـ«الصحوة» – لم يكن تتويج سلطنة عُمان اليوم بجائزة منظمة الصحة العالمية حدثًا صحيًا عابرًا، بل محطة جديدة تُضاف إلى سجل الإنجازات العُمانية التي نجحت في تحويل السياسات الصحية الوقائية إلى قصص نجاح عالمية، بعدما كرّست سلطنة عُمان حضورها كأول دولة في إقليم شرق المتوسط تتمكّن من القضاء على انتقال فيروس نقص المناعة البشري (HIV) ومرض الزهري من الأم إلى الطفل، وتحافظ على هذا الإنجاز لسنوات متتالية حتى نالت اليوم تقديرًا دوليًا جديدًا عن “استدامة” هذا النجاح.
وخلال أعمال الدورة الـ79 لجمعية الصحة العالمية المنعقدة حاليًا في مدينة جنيف السويسرية، تُوّجت سلطنة عُمان بجائزة منظمة الصحة العالمية تقديرًا لاستدامة التحقق من القضاء على انتقال فيروس نقص المناعة البشري والزهري من الأم إلى الطفل، في اعتراف دولي يعكس كفاءة المنظومة الصحية العُمانية وقدرتها على المحافظة على معايير صحية عالمية معقدة على مدى سنوات.
ولا يتعلق الإنجاز العُماني بالقضاء الكامل على المرضين داخل المجتمع، وإنما بتحقيق أحد أكثر أهداف الصحة العامة صعوبة على مستوى العالم، والمتمثل في منع انتقال العدوى من الأم الحامل إلى طفلها أثناء الحمل أو الولادة أو الرضاعة الطبيعية، عبر منظومة متكاملة تقوم على الفحص المبكر، والعلاج الوقائي، والمتابعة الطبية الدقيقة للأم والطفل.
وتُعد هذه الجائزة امتدادًا لاعتماد منظمة الصحة العالمية الذي حصلت عليه سلطنة عُمان رسميًا في عام 2022، عندما أصبحت أول دولة في إقليم شرق المتوسط، وأول دولة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تنجح في تحقيق معايير القضاء على انتقال فيروس HIV والزهري من الأم إلى الطفل، لتنضم حينها إلى قائمة محدودة عالميًا من الدول التي تمكنت من الوصول إلى هذا المستوى الصحي المتقدم.
ويحمل التكريم الجديد بعدًا أكثر أهمية، إذ لا يرتبط بتحقيق الإنجاز فحسب، بل باستدامته والمحافظة عليه، وهو ما تعتبره منظمة الصحة العالمية من أصعب المراحل، لأن الدول مطالبة بالحفاظ على المؤشرات الصحية الدقيقة نفسها لسنوات متواصلة، مع استمرار جودة الفحوصات والعلاج والمتابعة والرصد الوبائي.
وراء هذا الإنجاز، تقف رحلة طويلة من العمل الصحي المنظم بدأت منذ عام 1987 مع إطلاق البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز في سلطنة عُمان، قبل أن تتوسع الجهود تدريجيًا لتشمل إدخال الفحص الروتيني للحوامل للكشف عن فيروس HIV والزهري منذ عام 2009، ضمن خدمات الرعاية الصحية الأساسية في المؤسسات الحكومية والخاصة.
وفي عام 2020، أطلقت سلطنة عُمان مشروع القضاء على انتقال المرض من الأم إلى الطفل بشكل رسمي عبر القرار الوزاري رقم 2020/108، متضمنًا تشكيل لجنة وطنية متخصصة لتطوير السياسات والإجراءات الصحية وتعزيز التكامل بين مختلف المؤسسات الصحية، بما يضمن الوصول إلى أعلى معايير الوقاية والرعاية.
واعتمدت التجربة العُمانية على عدة محاور رئيسية، أبرزها الفحص المبكر والشامل للحوامل، وتوفير العلاج والمتابعة المجانية للحالات المكتشفة، إلى جانب المتابعة الطبية الدقيقة خلال الحمل والولادة، وتقديم العلاج الوقائي للأطفال بعد الولادة مباشرة، وهي منظومة نجحت في تقليل انتقال العدوى إلى مستويات شديدة الانخفاض وفق معايير منظمة الصحة العالمية.
وتشير الدراسات والتقارير الدولية المرتبطة بالتجربة العُمانية إلى أن سلطنة عُمان حققت نسب تغطية مرتفعة جدًا لفحوصات الحوامل، كما حصل نحو 99 بالمائة من الأطفال المعرضين للخطر على العلاج الوقائي، فيما انخفض معدل انتقال فيروس HIV من الأم إلى الطفل إلى مستويات قاربت 1 بالمائة فقط خلال الفترات التي خضعت للتقييم الدولي.
ولم يكن الوصول إلى هذا الإنجاز ممكنًا دون المرور بإجراءات تقييم دولية معقدة، إذ خضعت سلطنة عُمان لمراجعات دقيقة من لجان وطنية وإقليمية وعالمية، شملت مراجعة معدلات انتقال العدوى، وجودة المختبرات، وكفاءة أنظمة الرصد الصحي، وتغطية الفحوصات، واستدامة العلاج، إضافة إلى التحقق من احترام حقوق المرضى وعدم وجود أي تمييز في تقديم الخدمات الصحية.
ووصف المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط التجربة العُمانية بأنها “قصة نجاح من الشرق الأوسط”، مؤكدًا أن ما حققته سلطنة عُمان يمثل نموذجًا يمكن الاستفادة منه في بقية دول المنطقة، خصوصًا في ما يتعلق بدمج خدمات الوقاية والفحص والعلاج ضمن منظومة الرعاية الصحية الأولية.
ويعكس هذا الإنجاز أيضًا حجم الاستثمار الذي أولته سلطنة عُمان لقطاع الرعاية الصحية الأساسية وصحة الأم والطفل على مدى العقود الماضية، إلى جانب بناء منظومة صحية قادرة على الوصول المبكر للحالات وتقديم خدمات وقائية وعلاجية مستدامة وفق المعايير الدولية.
ويفتح التتويج الجديد الباب أمام مرحلة صحية أكثر تقدمًا، إذ تتجه سلطنة عُمان إلى مواصلة العمل ضمن مبادرة “القضاء الثلاثي” التي تقودها منظمة الصحة العالمية، والهادفة إلى القضاء على انتقال ثلاثة أمراض من الأم إلى الطفل، تشمل فيروس HIV والزهري والتهاب الكبد الفيروسي “B”.
وبينما تحتفي سلطنة عُمان اليوم بهذا الإنجاز العالمي الجديد، فإن الجائزة لا تختزل نجاحًا صحيًا فحسب، بل تروي قصة منظومة صحية استطاعت أن تحوّل الوقاية والرعاية المبكرة إلى إنجاز دولي يحمل اسم عُمان إلى منصات الصحة العالمية بوصفها نموذجًا يُحتذى به في المنطقة والعالم.



























