حصريٌّ لـ«الصحوة» – برحيل الكاتب والمؤلف والمفكر العُماني خميس بن راشد العدوي، تطوي الساحة الثقافية والفكرية في سلطنة عُمان صفحة واحدة من أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بالفكر والبحث والتأمل في التاريخ والدين والهوية والثقافة، بعد مسيرة امتدت لعقود، ترك خلالها أثرًا واسعًا في المشهد الثقافي العُماني والخليجي عبر مؤلفاته وكتاباته ومشاركاته الفكرية المتعددة.
وأثار خبر وفاته اليوم حالة من الحزن بين المثقفين والكتّاب والمهتمين بالشأن الفكري والثقافي، لما مثّله العدوي من حضور خاص في المشهد العُماني، سواء عبر مؤلفاته الفكرية أو مقالاته الصحفية أو مشاركاته في الندوات والحوارات الثقافية التي ناقشت قضايا الفكر والتاريخ والهوية والتراث.
وعُرف خميس بن راشد العدوي بوصفه واحدًا من الأصوات الفكرية العُمانية التي سعت إلى قراءة التاريخ والدين والواقع قراءةً تتجاوز الطرح التقليدي، حيث انشغل طوال سنواته الفكرية بأسئلة الإنسان والمعرفة والهوية، وكتب في قضايا الفكر الإسلامي، والتاريخ العُماني، والسرديات الحضارية، والعلاقة بين الدين والسياسة، إلى جانب اهتمامه العميق بالتراث والآثار والثقافة العُمانية.
وخلال مسيرته، تولّى العدوي رئاسة الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء في مرحلة من مراحل العمل الثقافي المؤسسي، كما كان حاضرًا في العديد من الندوات والمؤتمرات الفكرية والثقافية داخل سلطنة عُمان، وشارك في نقاشات فكرية متعددة تناولت التاريخ والهوية وقضايا الثقافة والمجتمع.
ولم يكن العدوي مجرد كاتب أو باحث تقليدي، بل عُرف بطرحه التأملي والفلسفي، وجرأته في مراجعة الأفكار وإعادة قراءتها، إذ كشف في أحد حواراته أنه أتلف ثلاثة مجلدات من آرائه الفقهية بعد أن غيّر قناعاته الفكرية تجاهها، في إشارة إلى رحلته المستمرة مع السؤال الفكري والمراجعة والنقد الذاتي.
وترك الراحل رصيدًا متنوعًا من المؤلفات الفكرية والثقافية، من أبرزها كتاب «السياسة بالدين.. في سبيل فهم منطق الأحداث»، الذي حظي باهتمام واسع وتُرجم لاحقًا إلى اللغة الفارسية، إضافة إلى كتب «الإيمان بين الغيب والخرافة»، و«فلسفة التأويل»، و«الوحدة الإسلامية»، و«سنة الله في غير المسلمين»، إلى جانب مؤلفات ودراسات أخرى تناولت الفكر والتاريخ والتراث العُماني.
كما ارتبط اسم العدوي بالاهتمام بالتاريخ العُماني والسردية التاريخية الوطنية، حيث كتب مقالات ودراسات متعددة حول الهوية العُمانية، وتحولات المجتمع، وقراءة التاريخ المحلي، إضافة إلى اهتمامه بالآثار والتراث، ودعوته المتكررة إلى توثيق الذاكرة الحضارية العُمانية وحفظها للأجيال القادمة.
وفي السنوات الأخيرة، واصل حضوره عبر المقالات الصحفية والحوارات الفكرية والبودكاست، متناولًا موضوعات الفكر والهوية والتاريخ والثقافة، وكان من بين أحدث كتاباته مقالات تناولت السردية التاريخية العُمانية، والآثار، وتحولات الفكر والمجتمع، إلى جانب ظهوره في لقاءات إعلامية تحدّث خلالها عن تكوين الذات، والبيئة العُمانية، والفكر، والثقافة، وتجربته الطويلة مع الكتابة والبحث.
ويرى كثير من المثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي أن خميس العدوي مثّل نموذجًا للمثقف العُماني المنشغل بالأسئلة الكبرى، والساعي إلى بناء مشروع فكري يتقاطع فيه التاريخ مع الفلسفة، والدين مع المجتمع، والتراث مع الحاضر، وهو ما جعل حضوره مختلفًا داخل المشهد الثقافي العُماني.
وبرحيله اليوم، تخسر سلطنة عُمان قامة فكرية وثقافية تركت بصمة واضحة في الكتابة والبحث والحوار الثقافي، وأسهمت في إثراء النقاش الفكري والمعرفي لعقود طويلة، فيما سيبقى إرثه الفكري حاضرًا عبر مؤلفاته ومقالاته وما خلّفه من أسئلة وأفكار وتجارب معرفية.
وتتقدم صحيفة «الصحوة» بخالص التعازي والمواساة إلى أسرة الفقيد ومحبيه والأسرة الثقافية والفكرية في سلطنة عُمان، سائلين الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.




























