حصريٌّ لـ«الصحوة» – لم تكن نبتة الرجلة، أو ما يُعرف في بعض البيئات العُمانية باسم البقلة أو الفرفرينا أو الخليلقا أو الغنيمبا، مجرد نبات بري ينمو على أطراف المزارع وفي مجاري الأودية وبعد مواسم الأمطار، بل كانت جزءًا من معرفة الناس بالنباتات الصالحة للأكل، وواحدة من تلك النباتات التي حفظتها الذاكرة الشعبية بوصفها غذاءً بسيطًا قريبًا من الأرض.
وتُعرف الرجلة علميًا باسم Portulaca oleracea، وهي نبات عشبي عصاري حولي سريع النمو، ينتشر في البيئات الحارة وشبه الجافة، ويتميّز بسيقانه اللحمية وأوراقه الصغيرة الممتلئة بالماء وأزهاره الصفراء. وعلى الرغم من أن بعض المزارعين يعدّونه نباتًا عشوائيًا أو حشيشة زراعية، فإن الدراسات العلمية الحديثة أعادت النظر في قيمته، بعد أن تبيّن أنه من النباتات الورقية الغنية بالعناصر الغذائية والمركبات النشطة حيويًا.
وتحظى الرجلة بأهمية خاصة لأنها تجمع بين قدرتها العالية على التكيف مع الجفاف والحرارة، وقيمتها الغذائية اللافتة، إذ تحتوي على أحماض أوميغا-3 النباتية، وفيتامينات عدة من بينها فيتامينات A وC وE، إلى جانب البوتاسيوم والمغنيسيوم والكالسيوم والحديد، فضلًا عن مركبات نباتية مضادة للأكسدة مثل الفلافونويدات والكاروتينات والبوليفينولات. وتشير دراسات غذائية إلى أن الرجلة تُعد من أغنى الخضروات الورقية البرية بحمض ألفا لينولينيك، وهو أحد أحماض أوميغا-3 النباتية، وهي ميزة نادرة نسبيًا في النباتات الورقية.
ولا تقف أهمية النبتة عند قيمتها الغذائية فقط، إذ تشير المراجعات العلمية إلى احتوائها على مركبات فعالة تشمل الفلافونويدات والقلويدات النباتية والتربينويدات والبيتالينات والسكريات المتعددة والفيتوستيرولات والمركبات الفينولية، وهي مركبات دفعت الباحثين إلى دراسة أثرها المحتمل في مقاومة الإجهاد التأكسدي وتقليل الالتهابات ودعم بعض المؤشرات المرتبطة بصحة القلب والتمثيل الغذائي. ومع ذلك، تبقى هذه الفوائد في إطار الدعم الغذائي العام، ولا يصح التعامل مع النبتة بوصفها بديلًا للعلاج الطبي أو وصفة علاجية مستقلة.
وفي الذاكرة الغذائية العُمانية، تحضر الرجلة بوصفها نبتة قريبة من حياة القرى والمزارع والأودية، إذ تنمو في الأراضي الزراعية الرطبة نسبيًا، وعلى أطراف الأفلاج، وفي بعض المواقع التي تحتفظ بقدر من الرطوبة بعد جريان الأودية أو هطول الأمطار. وتساعد طبيعتها العصارية وقدرتها على تحمل الحرارة في انتشارها في بيئات عمانية متعددة، سواء في المناطق الداخلية أو الزراعية أو القريبة من السواحل.
وعلى المائدة العُمانية، لا تزاحم الرجلة محاصيل شهيرة مثل التمور أو الليمون أو الخضروات المزروعة، لكنها بقيت حاضرة في بعض البيئات الريفية والأسر التي تعرف قيمتها، خاصة لدى الأجيال الأكبر سنًا. فقد كانت تُقطف طازجة وتؤكل مباشرة أو تضاف إلى السلطات، كما تُخلط أحيانًا مع اللبن أو الزبادي، أو تستخدم بوصفها خضارًا موسميًا بسيطًا متى ما توافرت في موسمها. وهذا الحضور يجعلها جزءًا من علاقة العُمانيين القديمة بالنباتات البرية الصالحة للأكل، وهي علاقة جمعت بين الحاجة والمعرفة والخبرة المتوارثة.
وتكتسب الرجلة أهمية إضافية اليوم مع تزايد الاهتمام العالمي بالنباتات القادرة على النمو في البيئات الجافة وشبه الجافة، خصوصًا في ظل تحديات المياه والتغيرات المناخية. فالنبتة لا تحتاج إلى عناية كبيرة، وتنمو بسرعة، وتتحمل ظروفًا صعبة، وتنتج بذورًا كثيرة تساعدها على الانتشار، ما جعل بعض الباحثين ينظرون إليها باعتبارها نباتًا واعدًا في منظومة الغذاء المستدام، خصوصًا في المناطق التي تبحث عن محاصيل مرنة قليلة الاحتياج للمياه.
ومع كل ذلك، فإن تناول الرجلة يحتاج إلى اعتدال ومعرفة، فهي تحتوي على نسب من الأوكسالات، وهي مركبات قد لا تناسب بعض الأشخاص المعرضين لحصوات الكلى أو من يُنصحون باتباع نظام غذائي منخفض الأوكسالات. كما أن استخدام المستخلصات المركزة أو الجرعات العالية منها لا ينبغي أن يتم دون استشارة مختص، لأن النبتة في صورتها الغذائية الطبيعية تختلف عن المستحضرات المركزة التي تُدرس في المختبرات أو تستخدم لأغراض علاجية.



























