الصحوة – الزهراء سنيدي
كان الفنُ يجري في عروقها، كالحافزِ الذي يدفعها للتقدمِ والاستمرار، جعلَ يُريها أفاقًا مختلفة، يوسع لها مساحاتِ المعرفة، يحفّزها، يزيدها شغفًا وحُبًا، وكما قال توفيق الحكيم: “إنّ في الدنيا أشخاصًا يجري في دمائهم الفن وهم لا يشعرون”، وهذا بالفعل ما ينطبق على الدكتورة أمل الإسماعيلية التي فازت مؤخرًا بجائزة “إنيجويت”(Enjoia’t) الاسبانية في دورتها الـ 25 لعام 2019 من بين 200 مشاركًا من دول العالم المختلفة، لتكون أول امرأة عربية عُمانية تصلُ إلى تلكَ المرتبة الرفيعة، وقد تم اختيار عملها “قلادة صقلة” ليكون أحد ثلاثة أعمال فائزة ضمن هذه الجائزة. حاورتها الصحوة وباركت لها هذا الإنجاز فكان هذا الحوار.
من هي أمل الإسماعيلية؟
أمل هي تلكَ الفتاة التي شغفت بالفن والرّسم فدخلَت كلية التربية بجامعة السلطان قابوس وتحديدًا قسم التربية الفنية، ثمّ عُيّنت معيدة بالجامعة عام 2009، ولم يتوقف بها الحال عند ذلك فحسب بل أكمَلَت دراسة الماجستير بجامعة كوفنتري بالمملكة المتحدة بمرتبة الشرف، ثم الدكتوراه بعد ذلك في جامعة شيفيلد هالام بالمملكة المتحدة أيضًا، وحاليًا أحاضِر في قسم التربية الفنية بالجامعة.
بعيدًا عن الدكتورة أمل “الأكاديمية” كيف تصفين نفسكِ كفنانة؟
أستطيع أن أقول إنني أحب الفن وأحب تعلمه، وأجد نفسي سريعة في ذلك، فدائمًا أبحثُ عن الجديد. عندما أنهيتُ مرحلة البكالوريوس كان بإمكاني استكمال دراسة الماجستير في مجال الرسم والتصوير؛ المجال الذي أحبه وأجدُ نفسي شغوفةً به، ولكن فضّلت أن أغامر وأدرسُ فنّ المجوهرات المعاصِرة، المجال الذي لم أدرسه ولم ألتفت له أبدًا في مرحلة البكالوريوس، والتحدي الأكبر أن أسافر لبلدٍ أجنبي وأدرس مع طلاب ثقافتهم غنية بالمجوهرات وكانوا قد أبحروا سلفًا في هذا المجال، لأجدَ نفسي معهم في مكانٍ لا أنتمي إليه أبدًا! باختصار أجدني تلك الفنانة التي تتحدى نفسها وتحاول أن تتعلم كل ما هو جديد.
إذًا كيف تفوقتِ في مجال المجوهرات المعاصرة وأنتِ في مجالٍ غريب عليكِ؟
بدأت أتعلم ذاتيًا من الكُتب، وأمارس عمليًا ما أتعلمه في الورشة، أذكر أنّ يومي كان يبدأ التاسعة صباحًا وينتهي في السادسة مساءً، وما بين هاذين الوقتين الكثير من التعلم والمزيد من التجارب، كل ذلك في سبيل أن أقف على قدمي في هذا المجال وأواكب زملائي. وكانت العطلة الأسبوعية متنفّس بالنسبة لي لزيارة المتاحف والمعارض في أوروبا والتي أضافت لي الكثير، وجعلتني غنية فنيًا بما أشاهده وأراه.
حدثيني عن مرحلة الدكتوراه وهل أصبحتِ أنضج فنيًا في المجوهرات المعاصرة؟
الدكتوراه كانت استكمال لما بدأتُ دراسته في الماجستير، ولكن في هذه المرحلة كنت أخوض في مجال البحث العلمي، ولكي أُصممَ حليًا معاصرة كان لِزامًا عليّ أن أفهم الحُلي والمجوهرات العُمانية التقليدية، وفهمها لا يأتي من المتاحف والكُتب أبدًا، فبدأتُ البحث من الشرقية شمالًا وحتى الشرقية جنوبًا؛ سعيًا وراء المعلومة، فكنتُ أتّبع طريقة بحث تُسمى “snow sampling method”، مثل كرة الثلج التي تبدأ صغيرة، وعندما تتدحرج تكبر أكثر فأكثر، فكنت عندما أقابل امرأة وأسألها عن المجوهرات العمانية، تقودني هي إلى امرأة أخرى، وهكذا في سلسلةٍ مقابلاتٍ طويلة جدًا، بدأت من ولاية إبراء، إلى بدية، إلى القابل فالكامل، وانتهَت في وادي بني خالد. هذه المقابلات أثرت حصيلتي الفنية، وأنضجَت تجربتي في مجال المجوهرات المُعاصِرة، وكانت من أمتع أجزاء البحث في رسالتي للدكتوراه.
كيف يخدم هذا البحث مجال المجوهرات والحلي العمانية التقليدية؟
هذا البحث يُضيف ويُثري المادة العلمية في مجال الحُلي العمانية، إلى جانب أنها تضيف للجانب العملي أيضًا، لأن الحلي العمانية ما زالت تنسخ ما توارثناه، فالصورة الجديدة والفن المعاصر للحلي غير منتشر في الوطن العربي ككل، فهذا يُعد فنًا جديدًا في الساحة العربية. وفي ذلك، فإنني بصدد إصدار كتاب يحوي تجربتي الفنية، وحاليًا أنهيتُ ما يُجاوز الثلاثمائة صفحة، وما زلت مستمرة في العملِ عليه.
على ماذا يركّـز كتابكِ هذا؟
يحكي كل التجارب التي مارستُها ومررتُ بها خلال مسيرتي الفنية في إنتاج حليٍ معاصرة. وخاصةً تلكَ اللحظات والمراحل التي مررتُ بها إبانَ بحثي العلمي في الدكتوراه.
صفِ لنا لحظة فوزكِ بالجائزة؟
بصراحة كنت غير متوقعة أبدًا، لأنني خضعتُ لمقابلة، وكانت من العيار الثقيل جدًا، سألوني الكثير من الأسئلة، ورغم أنني جاوبت عليها بكل ثقة إلا أنّ دسامة المقابلة جعلتني أتشكك من وصولي، والحمد لله دائمًا وأبدًا.
ما الذي يميّز عملكِ عن بقية الأعمال المشارِكَة؟
الأعمال المشاركة كانت قوية جدًا أمانةً، ولكن ما يميّز عملي هي الهوية العُمانية، فعملي يُفشي بكل وضوح عن الثقافة العُمانية التي جئتُ بها والتي أريد أن أصل بها للعالم، وفي المجوهرات المعاصرة دائمًا ما يبحثونَ عن الهوية في الأعمال والتي يعكس فيها الفنان نفسه.
هل لديكِ توجه لإطلاق علامتكِ التجارية الخاصة بالمجوهرات؟
لدي توجه في صناعة الحُلي عبرَ علامتي التجارية الخاصة التي أسميتها ” شابوك”، وأتمنى أن أوصل من خلالها الحلي المعاصرة بطريقتي الخاصة، فهذا الفن هو الشيء الذي رأيتُ نفسي فيه، وأجدني شغوفة جدًا به، فالحلي ليست شيئا جماليا ألبسه فحسب، بل هو رمزٌ ذو معنى وقيمة جوهرية عميقة، لكن للأسف بسبب كثرة أعمالي الأكاديمية فهذا الموضوع مؤجل حاليًا، لكن تعرض لي في هذه الفترة في بيت الزبير مجموعتي التي استلهمتها من خاتم “الشاهد” المصنوعة من الفضة.
ما الذي ينقص الفن في السلطنة من وجهة نظركِ؟
الفن في عُمان في حِراك مستمر إلا أنه بطيء نوعًا، وأنا مدينة لبلدي بالكثير من الجوائز التي حصلت عليها. ما أريده للفن العماني هو أن يظهر للساحة وألا يقتصر تواجده ومناشطه في مكان مُعيّن فحسب، نحتاج أن نرى أعمال الفنانين ومنحوتاتهم في الشوارع، وأن تكون حاضرة في كل مكان.
حدثيني عن خطواتكِ المستقبلية؟
خطواتي القادمة القريبة أنه في نهاية شهر أكتوبر الحالي سأكون متواجدة في إيطاليا؛ لأنه تمّ قبول أحد أعمالي للمشاركة في أسبوع ميلانو للمجوهرات الذي يستضيف فنانين من مختلف أنحاء العالم، وجاء اختيار عملي من بين أكثر من 500 عمل مُشارك.
وأطمح لو تتبنى هيئة الصناعات الحرفية أو وزارة التراث والثقافة كتابي الذي أعمل عليه، وتقوم بطباعته ونشره، لأن سيكون مدى انتشار هذا الكتاب أوسع من خلال هذه الجهات.

























