الصحوة – علي الحداد
حين تتعرض عاصمة عربية مثل الدوحة، المعروفة بدورها الدؤوب في الوساطة والسعي إلى حلول سلمية، لهجوم عسكري إسرائيلي، فإن المسألة تتجاوز ضربة محددة أو استهدافاً ظرفياً. ما جرى لم يكن حدثاً عادياً، بل محطة تكشف عن حجم التوتر الذي يعيشه الإقليم، وعن هشاشة النظام الدولي حين تُستباح حتى المدن التي كرّست حضورها كجسور للحوار. لكن اللافت أن هذا العدوان لم ينجح في تقليص مكانة قطر، بل منحها زخماً إضافياً وأثبت أن صوتها قادر على جمع العرب والمسلمين حول طاولة واحدة، في لحظة توحي بأن الجميع بات يشعر أنه معني مباشرة بمخاطر الاستهداف.
لم يكن الهدف الإسرائيلي مجرد إصابة قادة فلسطينيين بقدر ما كان محاولة متعمدة لتقويض مصداقية الوساطة القطرية. غير أن النتائج جاءت بعكس التوقعات، إذ تحولت قطر من وسيط يعمل بصمت إلى محور جامع، يملك قدرة على تحريك العرب والمسلمين نحو قمة طارئة لا تشبه الاجتماعات التقليدية. هذه القمة تمثل فرصة نادرة لتوحيد الموقف، وتجاوز حدود البيانات الإنشائية إلى خطوات عملية تعكس إرادة سياسية جماعية.
المشهد الدولي نفسه عكس إدراكاً متزايداً لخطورة استهداف الدوحة. فحتى القوى الكبرى الحليفة لإسرائيل، وفي مقدمتها واشنطن، وجدت نفسها مضطرة لإصدار مواقف ناقدة، في سابقة تعكس وعياً بأن تجاوز خطوط كهذه يهدد منظومة الوساطة بأكملها ويمس الأمن الإقليمي الأشمل. هذا التطور لا يبدّل موازين القوى دفعة واحدة، لكنه يفتح نافذة أمام العرب والمسلمين لصياغة أجندة متماسكة تضيف إلى رصيد المصداقية وتستثمر الأدوات القانونية والسياسية المتاحة.
إن القمة الطارئة في الدوحة يمكن أن تعيد تعريف التضامن العربي والإسلامي. ليس الهدف أن يتحول الغضب إلى شعارات، بل أن يُترجم إلى مسارات عقلانية قابلة للتنفيذ: تحريك قضايا منظمة أمام المحاكم الدولية، اعتماد مسار دبلوماسي يرسخ مبدأ عدم استهداف الوسطاء والبنى المدنية، تبني أدوات اقتصادية متدرجة تجعل الاعتداء أكثر كلفة، وتعزيز التدابير الأمنية لحماية مقار الوساطة والاجتماعات الحساسة. هذه ليست خطوات مستحيلة إذا توفرت الإرادة السياسية والقدرة على التنسيق.
قطر من جانبها اختارت التمسك بدورها وتفادي ردود الأفعال الانفعالية، واستثمرت رصيدها الدولي لتوسيع دائرة التضامن وتحويل الاستهداف إلى قوة دفع جديدة. بهذا تؤكد أن الوساطة ليست ضعفاً بل شكلاً من أشكال القوة الناعمة التي تصمد حتى أمام القصف المباشر.
الطريق لا يزال طويلاً والتحديات جسيمة، لكن ما يتشكل اليوم هو لحظة تاريخية قد تسمح بكتابة فصل جديد في العمل العربي والإسلامي المشترك. فالقصف الذي استهدف الدوحة لم ينجح في إسكات صوتها، بل كشف الحاجة إلى اصطفاف واعٍ يترجم الغضب إلى فعل منظم وواقعي. وإذا أُحسن استثمار هذه اللحظة، يمكن أن تتحول من واقعة مؤلمة إلى نقطة انطلاق لموقف جماعي أكثر صلابة وعدلاً في مواجهة التحديات المقبلة .


























