الصحوة – د. حمد بن ناصر السناوي
أخبرني صديقٌ ذات يوم أنه قد ضاق ذرعًا بمنصات التواصل الاجتماعي، بعدما اكتشف أنها لا تسرق وقته فحسب، بل بدأت تثير غضبه من بعض المحتويات، مثل المقاطع القصيرة التي تُعرض على “الإنستغرام” لشباب يحرجون والديهم، أو لشابٍ يستعرض ملابس أنثوية. يقول إنه في أكثر من مناسبة فكّر في كتابة تعليق، لكن قراءة تعليقات الآخرين كانت تزيد من غضبه، إذ كان كثيرٌ منهم يمجّدون سلوكًا يراه هو غير مقبول. عند هذه النقطة قرر أن هذا النوع من المحتوى لا يناسبه، ولذلك لن يحارب أصحابه ولن ينضم إليهم، كما يقول المثل الإنجليزي: “live and let live” (عِشْ ودَع غيرك يعيش).
مع غزو الإنترنت، نجد أنفسنا نتنقل بين منصات التواصل الاجتماعي المختلفة. بعضنا يبحث عن التواصل والتعارف، بينما ينشد آخرون التسلية والترفيه، وأحيانًا الهروب من ضغوط الحياة اليومية. قد نجد ما نبحث عنه، لكننا كثيرًا ما نغادر هذه المنصات ونحن نشعر بالإنهاك والتشتت وفقدان التركيز.
ونتوقف لنسأل أنفسنا: كيف أمضينا كل هذا الوقت؟ سؤال منطقي، فهذه المنصات صُمِّمت لإشغال المتصفح أطول وقت ممكن. فمن منظورٍ نفسي، يعتمد الإنترنت على ما يُعرف بـ “التعزيز المتقطع” لإبقاء المستخدمين مدمنين على المحتوى، وهو أحد أقوى أدوات تكوين العادات والسيطرة على التفكير.
وقد أظهرت الدراسات النفسية الحديثة أن التصفح المستمر لوسائل التواصل الاجتماعي يؤثر سلبًا على تركيز الأفراد وانتباههم. فالمحتوى اللامتناهي والتنقل السريع بين المواضيع يربك العقل، ويؤثر في المزاج والنوم، مسببًا إرهاقًا ذهنيًا متراكبًا.
كما تشير الدراسات العلمية إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تُضعف الصحة النفسية للمراهقين والشباب. فالتعرّض المستمر لأنماط الحياة المثالية والصور المفلترة يخفض تقدير الذات، ويجعل بعض المستخدمين يشعرون بالتهميش أو قلة الاهتمام مقارنة بالآخرين الذين يظهرون على هذه المنصات. وهذا يدفع إلى مقارنات تغذي القلق والاكتئاب واضطرابات صورة الجسد، بل وشعورًا عميقًا بعدم الكفاية.
ورغم أن وسائل التواصل الاجتماعي صُمِّمت لربطنا ببعضنا، إلا أنها في الواقع تجعلنا أكثر وحدة من أي وقت مضى. الدراسات الحديثة تُشير إلى أنه كلما قضينا وقتًا أطول على الإنترنت، قلّ استثمارنا في العلاقات الحقيقية خارج العالم الافتراضي. والنتيجة أننا نصبح محاطين بضجيج رقمي، بينما نفتقر إلى التواصل الإنساني العميق.
إذن، كيف يمكننا إعادة النظر في وجودنا الرقمي؟ الخطوة الأولى هي الوعي بالمشكلة، ثم تعديل طريقة تفاعلنا مع هذه المنصات عبر وضع حدود مدروسة. يمكن مثلًا تحديد وقت يومي لاستخدام التطبيقات بحيث تُغلق تلقائيًا بعد تجاوزه، وتجنّب تصفحها بعد الاستيقاظ مباشرة أو قبل النوم بساعة على الأقل. كذلك، يُستحسن إيقاف الإشعارات لتفادي الاستخدام العشوائي، وتخصيص ساعات يومية بعيدًا عن الإنترنت، بل وتجربة أيام كاملة بلا وسائل تواصل اجتماعي.
جرب أن تترك هاتفك في المنزل عند الذهاب إلى النادي الرياضي أو الخروج في نزهة. ألغِ متابعة الحسابات التي تثير قلقك أو تشعرك بعدم الأمان، وتابع بدلًا منها أشخاصًا يقدّمون محتوى مفيدًا. وتجنب استخدام هذه الوسائل وأنت في حالة قلق أو حزن، لأنها غالبًا ستزيد من مشاعرك السلبية. جرّب بدلًا من ذلك أن تتصل بصديق، أو تكتب في دفتر يومياتك، أو تخرج في نزهة في الطبيعة.
قد يكون الأمر صعبًا في البداية، لأن الاستخدام المستمر لمواقع التواصل الاجتماعي أصبح جزءًا من روتين حياتنا اليومي، لكن مع المثابرة والاستمرار ستصل إلى استخدام متوازن يجنبك الكثير من المشاعر السلبية.


























