حصريٌّ لـ«الصحوة» – يأتي عيد الفطر هذا العام، لا كما اعتدناه في الذاكرة الخليجية الدافئة، ولا كما رسمته تفاصيل الطمأنينة التي ألفناها طويلًا، بل يأتي محمّلًا بأسئلة ثقيلة، تسبق تكبيراته، وترافق ملامحه منذ اللحظة الأولى. وكأن صدى بيت المتنبي القديم يعود اليوم أكثر حدّة وصدقًا: «عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيد؟».
في العادة، كانت الأعياد في هذه المنطقة تُولد من رحم الاستقرار؛ تُفتح فيها الأبواب قبل النوافذ، وتُمدّ فيها الأيادي قبل الكلمات، وتتصافح القلوب قبل الأجساد. كان العيد موعدًا سنويًا لإعادة ترميم ما أفسدته الأيام، ومساحة خفيفة تُعلّق فيها الهموم على أبواب البيوت، لتدخل البهجة وحدها.
لكن هذا العام، يبدو المشهد مختلفًا.
ففي ظل توترات إقليمية متسارعة، وأخبار متلاحقة تتقاطع بين السياسة والأمن، لم يعد العيد حدثًا معزولًا عن سياقه، بل أصبح جزءًا من مشهد أوسع، تتداخل فيه مشاعر القلق مع محاولات الفرح، وتتزاحم فيه رغبة الاحتفال مع ثقل الواقع. لم تعد فرحة العيد خالصة كما كانت، بل باتت مشوبة بحذر غير معلن، ووعي جمعي بأن المنطقة تمرّ بمرحلة دقيقة.
ورغم ذلك، لا يغيب العيد.
فالعيد في جوهره ليس مجرد طقس موسمي، بل حالة إنسانية عميقة، قادرة على التكيّف حتى في أكثر الظروف تعقيدًا. قد تتغير ملامحه، قد تخفت مظاهره، لكن معناه يبقى حاضرًا. في كل بيت تُرفع فيه تكبيرة، وفي كل يد تمتد بالسلام، وفي كل محاولة بسيطة لصناعة لحظة فرح، هناك مقاومة صامتة للقلق، وإصرار على أن للحياة وجهًا آخر.
ولعل المفارقة الأعمق هذا العام، أن العيد يأتي ليذكّر الناس بما هو أبقى من كل التوترات: الروابط الإنسانية، والتماسك المجتمعي، وقدرة الإنسان على التعايش مع القلق دون أن يفقد إنسانيته. ففي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى الأخبار العاجلة، يبقى العيد مساحة صغيرة لكنها صلبة، تعيد ترتيب الأولويات، وتقول بهدوء: ما زال في الحياة متّسع.
ليس عيدًا كما كان، نعم.
لكنه أيضًا ليس غائبًا.
هو عيدٌ يحضر بطريقة مختلفة؛ أقل صخبًا، وأكثر عمقًا. عيدٌ لا يُقاس بعدد الزيارات، بل بصدقها، ولا بكثرة الضحكات، بل بقدرتها على الاستمرار. عيدٌ يختبر المعنى الحقيقي للفرح، حين لا يكون سهلًا، بل مُنتزعًا من بين القلق.
وهنا، ربما تتبدل الإجابة على سؤال المتنبي.
فليس المهم بأي حال عاد العيد،
بل كيف نستقبله نحن…؟
وسط كل ما يحدث.


























